فأما أن يكون العالم جامعًا للمال من وجوه قبيحة, من شبهات قوية وبحرص شديد وبذل في الطلب , ثم يأخذ من الزكوات ولا تحل له مع الغنى , ثم يدخره ولا ينفع به , فهذه بهيمية تخرج عن صفات الآدمية , بل البهيمية أعذر لأنها بالرياضة تتغير طباعها ,وهؤلاء ما غيرتهم رياضة ولا أفادهم العلم.
ولقد كان أبو الحسن البسطامي مقيمًا في رباط البسطامي الذي على نهر عيسى , وكان لا يلبس إلا
الصوف شتاء وصيفًا , وكان يحترم ويقصد , فخلف ما لا يزيد على أربعة ألآف دينار.
ورأينا بعض أشياخنا وقد بلغ الثمانين وليس له أهل ولا ولد , وقد مرض فالقى نفسه عند بعض أصدقائه فتكلف له ذلك الرجل ما يشتهيه , وما يشفيه , فمات, فخلف أموالًا عظيمة. ورأينا صدقة بن الحسين
الناسخ وكان على الدوام يذم الزمان وأهله ويبالغ في الطلب من الناس ويتخفف وهو في المسجد وحده
ليس له من يقوم بأمره, فمات, فخلف فيما قيل ثلاثمائة دينار. وكان يصحبنا أبو طالب بن المؤيد الصوفي وكان يجمع المال , فسرق منه نحو مئة دينار , فتلهف عليها وكان ذلك سبب هلاكه.
ومن أعجب أحوال الناس أنك ترى أقوامًا جلسوا على صفة القوم , يطلبون الفتوح , فيأتيهم منها الكثير الذي يصيرون به من الأغنياء وهم لا يمتنعون من أخذ زكاة ولا من طلب.
وكذلك القصاص , يخرجون إلى البلاد ويطلبون , فيحصل لهم المال الكثير , فلا يتركون الطلب عادة. فيا سبحان الله؟ أي شيء أفاد العلم؟ بل الجهل كان لهؤلاء أعذر.
ومن أقبح أحوالهم لزومهم الأسباب التي تجلب الدنيا من التخاشع والتنسك في الظاهر , وملازمة حث العزلة عن المخالطة , وكل هؤلاء بمعزل من الشرع". (1) "
(1) "صيد الخاطر": (رقم الخاطرة: 212) .