(هـ) حفظ المال: المال عصب الحياة , وسبب المعاش , وبدون المال تتعطل كثير من مصالح المرء وتتبدد أحواله , ولا يستقيم له حال , والمقصود بحفظ المال: معرفة طرق كسبه المشروعة ومعرفة سبل الإنفاق , وأحكام البيوع والمعاملات , والحذر من تعدي حدود الله في ذلك. ولأبي الفرج - رحمه الله تعالى - نفائس في الأمر بحفظ المال ومراعاة حقوق الله تعالى فيه , ومنها:
1 -"تفكرت , فرأيت أن حفظ المال من المتعين , وما يسميه جهلة المتزهدين توكلا من إخراج ما في اليد ليس بالمشروع , فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لكعب بن مالك: أمسك عليك بعض ... مالك" (1) أو كما قال له وقال لسعد"لأن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس" (2) فإن اعترض جاهل فقال فقد جاء ابو بكر - رضي الله عنه - بكل ماله.
فالجواب: أن أبا بكر صاحب جاه وتجارة , فإذا أخرج الكل أمكنه أن يستدين عليه فيتعيش , فمن كان على هذه الصفة لا أذم إخراجه لماله , وإنما الذم متطرق إلى من يخرج ماله وليس من أرباب المعاش , أو يكون من أولئك, إلا أنه ينقطع عن المعاش , فيبقى كلا على الناس , ويستعطيهم , ويعتقد أنه على الفتوح وقلبه
متعلق بالخلق , وطمعه ناشب فيهم , ومتى حرك بابه نهض قلبه وقال رزق قد جاء , وهذا أمر قبيح بمن يقدر به على المعاش , وأن لم يقدر كان إخراج ما يملك أقبح , لأنه يتعلق قلبه بما في أيدي الناس , وربما ذل لبعضهم , أو تزين له بالزهد وأقل أحواله أن يزاحم الفقراء والمكافيف والزمنى في الزكاة". (3) "
2 -"لا ينكر أن الطباع تحب المال , لأنه سبب بقاء الأبدان , لكنه يزيد حبه في بعض القلوب حتى يصير محبوبًا لذاته , لا للتوصل به إلى المقاصد , فترى البخيل يحمل على نفسه العجائب , ويمنعها اللذات ,"
وتصير لذاته في جمع المال, وهذه جبلة في خلق كثير , وليس العجب أن تكون في الجهال ,بل العجب أن تكون في أهل العلم, وينبغي أن يؤثر فيها عند العلماء المجاهدة للطبع ومخالفته , خصوصًا في الأفعال اللازمة في المال.
(1) أخرجه البخاري: (كتاب التفسير - باب لقد تاب الله على البني والمهاجرين والأنصار - حديث رقم 4676) ومسلم: (كتاب التوبة - باب توبة كعب بن مالك) .
(2) أخرجه البخاري: (كتاب الوصايا - باب أن يترك ورثته أغنياء - حديث رقم 2742) .
(3) "صيد الخاطر": (رقم الخاطرة 34) .