على ذلك. وكذلك لايمكن الجزم بعدم وقوف ابن الجوزي على نفائس ابن حزم بواسطة أو بالنقل مباشرة إذ المدة الزمنية بين وفاة ابن الجوزي وابن حزم هي إحدى وأربعون ومائة سنة. فابن حزم توفي قبل ولادة ابن الجوزي , والأول مغربي والثاني مشرقي , فالمدة الزمنية ليست بعيدة , وبغداد في عهد ابن الجوزي كانت تصلها مئات الكتب والدواوين يوميًا من شتى بقاع الدنيا , وتجار العلم نشيطون في النسخ والنقل والبيع والشراء من مشارق الأرض ومغاربها. والذي جعلني أميل إلى هذا الراي أن ابن الجوزي ذكر في الخاطرة رقم (338) أنه اطلع على ثبت مؤلفات الحميدي الاندلسي (ت 488هـ) أحد تلاميذ ابن حزم وقد كان بين وفاته ووفاة ابن حزم اثنتين وثلاثون سنة فقط.
وقد تبين لي بالاستقراء أن ابن الجوزي لم يكن راضيًا عن الظاهرية وأعلامها وعلمائها ولهذ لم يصرح
بذكرهم إلا على سبيل النقد والقدح. فقد لمز داوود الظاهري بسوء الفهم كما في الخاطرة رقم (365) . ويعد داود بن علي الظاهري (ت 270هـ) مؤسس المذهب الظاهري والداعي إليه. وإذا عرف أن ابن الجوزي كان من المتعصبين لأقواله - أحيانًا - تبين له سبب هذا التنافر بينه وبين المخالفين له من العلماء والفقهاء. لكن من المؤكد - كما أشرت سابقا - أن ابن الجوزي اقتبس كثيرًا من فوائده حرفيًا أو بالمعنى من شيخه المشهور (علي بن عقيل بن محمد البغدادي) (ت 513هـ) كما في الخواطر رقم (60) و (98) ... و (355) وقد تاثر ابن الجوزي بشيخه ابن عقيل لأسباب اجتماعية ونفسية وعلمية , ولهذا السبب اختصر أبو الفرج كثيرًا من فوائد كتاب"الفنون"لابن عقيل وأودعها كتابه"صيد الخاطر". ومن المعلوم أن كتاب الفنون يقع في"مئتي مجلد"قيد فيه ابن عقيل دقائق الفوائد والغوامض والحوادث. وللإسف فإن كتاب"الفنون"من المصنفات المفقودة , ولم يطبع منه سوى مجلدان. ولكن عند مقارنة مواضع من ... كتاب"صيد الخاطر"بأخواتها من كتاب الفنون يتبين صحة هذا الاستنتاج. (1)
(1) الموارد السابقة لم أجد من سبقني إلى جمعها وحصرها وتبويبها - ولله الحمد - وقد إجتهدت في استخراجها من خلال قراءآتي المتكررة والمتأنية للكتاب خلال سنتين كاملتين، استطعت من خلالها معرفة موارد ابن الجوزي في جميع خواطره في صيد الخاطر، وقد أعانني الله ببعض فوائد محققي طبعات صيد الخاطر، ففي بعضها إشارات مفيدة كطبعة ابن خزيمة لعامر ياسين وطبعة دار اليقين للدكتور عبد الرحمن البر، أحسن الله إليهما.