فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 249

ليس أدلّ على أهمية المرويات الإسلامية - في باب الدعوة إلى الله تعالى - مِنْ تَصِّدى جهابذة العلماء لمواطن الضعف والخلل في الرواة وناقلي الأخبار. وقد بيَّن الإمام مسلم - رحمه الله تعالى - هذا المنهج حين قال:"وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث، وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا لمِا فيه من عظيم الخير، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم، أو أمر أو نهي، أو ترغيب أو ترهيب، فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبين ما فيه لغيره ممن جهل معرفته، كان آثمًا بفعله ذلك، غاشًا لعوام المسلمين، إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها أو يستعمل بعضها، ولعلها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة، أكثر من أن يضطر معها إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع". (1)

إن الجهود العلمية التي بذلت - وما زالت - لتمييز الروايات وغربلتها ومعرفة رجالها، دليل قائم بمتانة وغزارة ذخائر التراث الإسلامي وقد قال شعبة:"كل حديث ليس فيه"أنا"و"ثنا"فهو خل وبقل". (2) يعني أن المرويات الخالية من (أخبرنا) و (حدثنا) لا قيمة لها ولا وزن. ومما يؤثر عن ابن سيرين: ..."لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم". (3)

ومن محاسن ابن الجوزي ومناقبه تصنيفه لكثيرٍ من الدواوين التي اعتنت بالمرويات وفحص الأسانيد، سواء في الكتب الدعوية أو الحديثية أو الفقهية. وأشهر ما رقمه في هذا الباب كتابان:

الأول:"جامع المسانيد".

والثاني:"تلبيس إبليس"، فأما"جامع المسانيد"فقد استوعب فيه غالب ما في الصحيحين وجامع الترمذي ومسند أحمد من أحاديث. وقد رتَّب مرويات هذه الكتب الحديثية الأربعة على أسماء الرواة، مراعيًا في ذلك حروف المعجم. وقد طبع الكتاب قريبًا في ثمانية مجلدات. وقد بلغت مروياته أربع آلاف رواية. وأما"تلبيس إبليس"فهو من الكتب التي أكثر فيها ابن الجوزي من الأحاديث والآثار الواردة عن السلف في التحذير من مكايد الشيطان ومصايده. وبيَّن فيه مظاهر تلبيس إبليس على أصحاب العقائد والديانات، وكذلك تلبيسه على أهل العلم وغيرهم من العُبَّاد والزُهَّاد. وقد بلغت مروياته زهاء خمسمائة رواية. وقد طبع طبعات كثيرة، وللحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - مختصر لهذا الكتاب أسماه:

"مختصر تلبيس إبليس". (4)

(1ا) لإمام مسلم القشيري:"مقدمة صحيح مسلم" (1/ 28) . وقد وضَّح هذه المسألة أتمّ توضيح الإمام عبد الوهاب السبكي (ت 771هـ) في كتابه الماتع"قاعدة في الجرح والتعديل": (ص/30) فقال نقلًا عن ابن دقيق العيد:"أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من المسلمين: المحدثون والحكام".

(2) "الخطيب البغدادي: الكفاية" (ص / 282) .

(3) "مقدمة صحيح مسلم": (1/ 84) ، و"المَّحدث الفاصل"للرامهرمزي: (ص / 209) .

(4) "تلبيس إبليس"طبع حديثًا، وقد صدر عن دار الوطن طبعه محقَّقة لنصف الكتاب فقط، وهي في الأصل رسالة دكتوراه للباحث"أحمد المزيد"أشرف عليها الشيخ / عبد الرحمن البراك في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين - قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة. وقد طبعت الرسالة سنة (1423 هـ) . وللفائدة فإن أول طبعة لكتاب"تلبيس إبليس"كانت في الهند، سنة (1323هـ) وكانت طبعته طبعة حجرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت