فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 249

ولا يخفى على كل لبيب أنَّ عمدة المرويات الإسلامية هي المصنفات الحديثية: كالصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم والأجزاء الحديثية الأخرى المكِّملةِ للمطولات الحديثية.

فهذه المصنفات الجليلة اشتملت على مهمات أصول الدين والعلم والفقه. وما من كتاب من كتب العلم

والدعوة إلاّ وقد اتخذ تلك المصنفات حجة ونبراسًا، يتحاكم أصحابها إلى ألفاظ تلك المصنفات ومعاني الحق فيها. ومن اللطائف التي يحسن سياقها في هذا المضمار ما ذكره ياقوت الحموي في ديوانه الماتع"إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب"أنه لما تناظر محمد بن الحسن مع الإمام الشافعي في حضرة الخليفة هارون الرشيد في مسألة"اليمين"، واستفهم محمد بن الحسن من الإمام الشافعي مستنكرًا وقال:"وأين لكم ردّ"

اليمين؟، قال الشافعي: سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال محمد بن الحسن: وأين؟، قال الشافعي: قصة حويّصة ومحيَّصة وعبد الرحمن حين قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة القتيل: تحلفون وتستحقون دم صاحبكم، قالوا: لم نشهد ولم نعاين، قال: فيحلف لكم يهود، فلما أن نكلوا

ردّ اليمين إلى اليهود (1) ، قال: محمد بن الحسن: إنما كان ذلك استفهامًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الشافعي: يا أمير المؤمنين هذا بحضرتك يزعم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستفهم من اليهود. فقال الرشيد: ثكلتك أمك يا ابن الحسن، رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفهم من اليهود؟!، نطع وسيف. قال الشافعي: فلما رأيت الجدّ من أمير المؤمنين قلت: مهلًا يا أمير المؤمنين فإن الخصمين إذا اجتمعا تكلم كل واحد منهما بما لا يعتقده ليقطع به صاحبه، وما أرى أن محمدًا يرى نقصًا لرسول الله ... - صلى الله عليه وسلم -". (2) "

إن الدعوة إلى الله تعالى مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمرويات الإسلامية، إذ الرواية الصحيحة هي زاد الداعية وقرى المدعو، ولا تستقيم الموعظة الدعوية والدرس الدعوي إلاّ بالتأسيس في ضوء فقه المرويات المحكمة من الصحيح الذي جمعته النقلة قرنًا بعد قرن.

إن الدعاة الصادقين هم الذين يبلغون رسالات الله قولًا وعملًا، متخذين العلم الموروث عن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - مصباحًا يضيء لهم دياجير الجهل وكهوف الغفلة، وهذا ديدنهم وشأنهم حتى الوفاة.

ولما ظهر بعض الدعاة في بعض المناطق يعظون المسلمين، ويزِّهدون في الدنيا، ويرغِّبون في الآخرة،

من غير اتباع للسنة ولا تذكير بآثار من سلف، باتت طريقتهم مرتعًا للتصوف، وميدانًا للبدعة، وأورث ذلك ظهورًا للدروشة في الزوايا والتكايا، وصولة للخرافات والجهالات التي رزح المسلمون تحت لظاها - وما زالوا- حتى نرجع إلى ديننا وطريقة نبينا - صلى الله عليه وسلم -، فيفتح الله قلوبنا بنور العلم ... والهداية ونبِّلغ دين الله كما أمر الله تعالى. (3)

(1) (متفق عليه) أخرجه البخاري:"الجامع الصحيح"- دار الرسالة - الطبعة الأولى - 1429هـ: (كتاب الجزية والمصالحة - باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره - رقم الحديث: 373) وأخرجه مسلم"الجامع الصحيح - دار الرسالة - الطبعة الأولى - 1420هـ: (كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات - باب القسامة - رقم الحديث: 1669"وأخرجه النسائي - طبعة دار الكتب العلمية - الطبعة الأولى - 1405 هـ: كتاب القسامة - باب تبرئة أهل الذم في القسامة - رقم الحديث 4714) .

(2) الحموي:"إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب"- دار الرسالة - الطبعة الثانية - 1419هـ: (6/ 2399) .

(3) صالح المقبلي:"العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ"- دار الكتب العلمية - الطبعة الأولى - 1409هـ: (ص /112 - 1120) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت