فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 249

ونحو هذا قال يحيي بن معين - رحمه الله تعالى:"لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه" (1)

ومن أظهر الأدلة على عناية أهل العلم بالمرويات الإسلامية ما رقمه الخطيب البغدادي - رحمه الله تعالى - في كتابه"الكفاية"حيث قال:"ولولا عناية أصحاب الحديث، وضبط السنن، وجمعها واستنباطها من معادنها، والنظر في طرقها، لبطلت الشريعة، وتعطلت أحكامها، إذ كانت مستخرجة من الآثار المحفوظة، ومستفادة من السنن المنقولة". (2)

والآثار والسُّنن التي أشار إليها الخطيب البغدادي - رحمه الله تعالى - هي التي رحل إليها طلبة العلم من المحدثين وغيرهم، وجهدوا في تحصيلها بالإسناد العالي الذي قلّ رجال إسناده. وقد استحب العلماء طلب العلو لبعده عن الخلل في الإسناد. ومما يؤثر عن الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - قوله:"طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف، لأن أصحاب عبد الله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلمون من عمر ويسمعون منه". وقد قيل لابن معين - رحمه الله تعالى - في مرض موته: ما تشتهي؟ فقال:"بيت خال، وإسناد عال". (3)

ومن أظهر الأدلة على أهمية المرويات الإسلامية أنك لا تكاد تجد كتابًا في باب العقيدة الإسلامية إلا وقد ضم بين دفتيه مجموعة زاخرة من مرويات الاعتقاد المستمدة من الوحيين والآثار الموقوفة الصحيحة،

ككتاب التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل، لأبي بكر بن خزيمه، والاعتصام للشاطبي، والإيمان لابن أبي شيبة، والإبانة الكبرى، لابن بطة، والإيمان لابن منده، والسنة لابن أبي عاصم، واجتماع الجيوش الإسلامية على غزوة المعطلة والجهمية، لابن الجوزية، رحمهم الله جميعًا.

ففي هذه المصنّفات مجموعة متينة من المرويات الإسلامية التي تُعَدّ ثروة عظيمة لتقرير الاعتقاد الصحيح، ومقارعة أهل الضلال والغواية من الفِرق المنحرفة عن صراط الله وسبيل المؤمنين. (4)

وهناك مذهب من مذاهب التفسير التي تقرر معاني الآيات بالروايات المعتمدة عند أرباب التفسير، وهذا

التفسير هو التفسير بالمأثور. وجُلّ الاعتماد فيه على المرويات والآثار التي رويت بالأسانيد عن جهابذة ذلك

الفنّ. وهذا التفسير من أقرب التفاسير التي يعتمد عليها طلبة العلم سلفًا وخلفًا، لثبوت صحة أسانيدها في الغالب، ولقوة حجج المرويات إلا ما ندر. ومن أشهر تفاسير هذا المذهب:"جامع البيان في تفسير القرآن"للسيوطي، و"تفسير ابن أبي حاتم"- رحمهم الله جميعًا. (5)

(1) الخطيب البغدادي:"الجامع لأخلاق الراوي"- دار الرسالة - الطبعة الأولى - 1404هـ: (ص / 2/ 12) .

(2) الخطيب البغدادي:"الكفاية في علم الرواية"- دار الرسالة - الطبعة الأولى - 1415هـ: (ص / 236) .

(3) "الجامع لأخلاق الراوي"للخطيب: (ص / 1/ 123) . هذا على جهة الحكاية. ومناسبة السياق: اشتهي بيتًا خاليًا واسنادًا عاليًا.

(4) أخرجه السيوطي في"الإتقان": (1/ 113) ، وفي"الدر المنثور": (2/ 323) : أخرج ابن سعد أن عليًا قال لابن عباس: اذهب إليهم - يعني الخوارج - ولا تخاصمهم بالقرآن، فإنهم ذوو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة، فقال له: أنا أعلم بكتاب الله منهم، فقال صدقت: ولكن القرآن حَمَّال وجوه.

وانظر:"الفقيه والمتفقه"للخطيب البغدادي: (2/ 80) فقد نسبها إلى عليّ رضي الله عنه

قلت: ما أجمل قول الحسن البصري حين قال:"من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقُّل"!، فإن الاعتقاد الصحيح هو المبني على الأثر والدليل، ويكون برهانًا بين العبد وربه، ويسلم دين المرء من الشبهات والغوائل.

(5) انظر:"التفسير بالمأثور ومنهج الطبري" (رسالة ماجستير - جامعة الأزهر - كلية أصول الدين - 1971م - للباحث: عبد الرحيم أحمد سراج) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت