كان إمامًا في الحديث وحفظه وروايته, فَنُكب باحتراق كتبه في سنة (169هـ) فكثر الوهم والتدليس في حديثه فمن أخذ عنه قبل احتراق كتبه فحديثه أقوى مِمَّن أخذ عنه بعد احتراقها. (1) ... وقديمًا قيل:"فاحفظ فكل حافظٍ إمامُ" (2)
جـ: مذاكرة المرويَّات:
إنَّ حياة العلم مذاكرته، وقد قال علقمة:"تذاكروا الحديث، فإَّن حياته مذاكرته" (3) . فينبغي على كل داعية إلى الله تعالى أن يوطَّن نفسه وقلبه على مذاكرة المرويَّات، ليعقلها وينتفع بها، ولتكون راسخةً في فؤاده مع
الأيام والليالي. وطريقة المذاكرة تكون بتكرار المحفوظات على القلب واللسان، ولهذا قيل(المذاكرة تقوي
الذاكرة). والمذاكرة للمرويات مفيدة سواء مع النفس أو مع الأقران أو مع الأهل والخِلاَّن.
وقد تذاكر وكيع ابن الجراح وأحمد بن حنبل ليلة، حتى جاءت الجارية وقالت:"قد طلع الكوكب، أو قالت: الزهرة". (4)
د: تهذيب المرويات:
ينبغي على طالب العلم إذا وقف على مرويَّات متعِّددة بألفاظ متقاربة أن يجهد عقله في الوقوف على أصولها وأطرافها، وكان هذا دأب أهل العلم قديمًا، يرحلون إلى الأقطار البعيدة لنيل دقائق المعارف. ومما يُؤْثر عن يحيي بن معين:"أربعة لا تؤنس منهم رشدًا: حارس الدرب، ومنادي القاضي، وابن المحدِّث، ورجل يكتب في بلده، ولا يرحل في طلب الحديث". (5)
فالرحلة إلى الأقطار البعيدة من أسباب الحصول على المرويات المهذَّبة النقية، وقد يحصل المراد بغير الرحلة، بشرط الحصول على الملكة وقوة القاعدة العلمية المساعدة على ذلك. وعلى هذه الجادَّة ظهر تراث العلم المتين كـ"تهذيب الأسماء واللغات"للنووي، و"تهذيب الكمال"للمزِّي، و"تهذيب الآثار"للطبري، ... و"تهذيب التهذيب"لابن حجر العسقلاني، ونحوها من المصنفات. فهذه الطريقة إذا سلكها الداعية إلى الله تعالى , فإنه يحصِّل فوائد جليلة لا يستهان بها. (6)
هـ: ربط المرويَّات بقضايا الأمة:
من القضايا المهمة في باب الدعوة إلى الله تعالى، ربط القائم على الدعوة - إلى الله تعالى - للمرويات التي يستشهد بها بواقعه وأحوال أمته، ليكون ذلك أدعى إلى التصديق بدعوته وقبول مرويَّاته فالشيخ مع تلاميذه،
والمعلِّم مع طلبته، والمربِّي مع أبنائه، ونحوهم من دعاة الخير والهدى على منهاج السلف الصالح، كلهم مطالبون بتقريب المرويَّات الإسلامية إلى قلوب الناس مع ربطها بهموم الناس ومعايشهم، بضرب الأمثال تارة
(1) ابن حجر:"تهذيب التهذيب"- دار الكتب العلمية - الطبعة الثانية - 1420هـ: (5/ 378 - 379) والذهبي:"تذكرة الحفاظ"- دار المأمون - الطبعة الأولى - 1407هـ: (1/ 238) .
(2) القائل:"محمد بن علي بن محمد الرحبي" (577هـ) في منظومته الفرضية: بغية الباحث عن جمل الموارِث.
(3) الأعظمي:"المدخل إلى السنن الكبرى"- دار القلم - الطبعة الأولى - 1416هـ: (1/ 220) .
(4) في كتاب"المدخل إلى السنن الكبرى"للبيهقي (1/ 220) ، فوائد وفرائد في هذا الباب يحسن الرجوع إليها، وانظر أيضا"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع"للخطيب البغدادي: (1/ 238) .
(5) "الرحلة في طلب الحديث": (ص / 89) .
(6) وفي"صيد الخاطر": (ص / 225 - طبعة الرشد) : أنَّ الإمام أحمد طاف الدنيا مرتين حتى حصَّل هذا المسند، وأنَّ فيه أربعون ألف حديث.