وبسرد القصص النافعة تارة، ونحوها من الوسائل الشرعيَّة الهادفة. ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله علية وسلم قال:"لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، تضيء أعناق الإبل ببصرى" (1) ، فهذا الحديث يدل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته ونبوته، وأنه لا ينطق عن الهوى، فقد وقع ما أخبر به رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بعد قرابة نحو ستمائة سنة من مبعثه. قال الإمام النووي:"خرجت في زماننا نار بالمدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، وكانت نارًا عظيمة جدًا، من جنب المدينة الشرقي وراء الحرة، وتواتر العلم بها عند جميع أهل الشام وسائر البلدان، وأخبرني من حضرها من أهل المدينة". (2)
ومما ينبغي التنبيه عليه: وجوب بيان معاني المرويات عند ربطها بواقع الأمة، فمثلًا من يرغَّب الناس في قراءة القرآن ويقرأ قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُتْرجّة، ريحها طيب وطعمها طيب" (3) ، فيحسن به أن يعرض صورة هذه الثمرة الطيبة التي لا يعرفها كثير من الناس وإن لم يجدها يصفها بدقة. وعلى هذه الجادَّةِ يسير مُعَلِّم الناس الخير إلى هدفه وغايته.
و: جَرْد المطولات لاستلال المرويات المكنونة:
هذه سنة قديمة عند المحدثين وغيرهم من أهل العلم، يعمد الواحد منهم إلى مصنفات المرويات في فنِّ من الفنون، فَيَسَتَلَّ منه المرويَّات الدفينة في ثناياه.
ولا تشترط هنا القراءة الحرفية لجميع عبارات الكتاب المراد استخراج مروياته، فيكفي مطالعة الصفحة للنَّظر في المرويات الواردة مع فهم ما وردت فيه. ومن الكتب المفيدة لجرد مروياتها:"فتح الباري في شرح"
صحيح البخاري"لابن حجر العسقلاني، و"التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد"لابن عبد البّر، ... و"التاريخ الكبير"للإمام البخاري، و"معجم الشيوخ"للذهبي، و"طبقات الشافعية الكبرى"للسبكي، و"تاج العروس من جواهر القاموس"للزبيدي، وغيرها من التصانيف النافعة."
وبعد ذلك يتم تصنيف المرويات حسب فوائدها وموضوعاتها، وتكون مجالاُ رحبًا للبحث والمذاكرة والإفادة. (4)
(1) أخرجه البخاري: (كتاب الفتن - باب خروج النار -"رقم الحديث: 7118") ، وأخرجه مسلم: (كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز -"رقم الحديث: 2902 - ) ."
(2) "شرح النووي لصحيح مسلم": (18/ 28) . وانظر أيضًا:"فتح الباري": (13/ 79) .
(3) أخرجه البخاري: (كتاب فضائل القرآن - باب فضل القرآن -"رقم الحديث": 5020) . وأخرجه مسلم: (كتاب فضائل القرآن - باب فضيلة حافظ القرآن -"رقم الحديث: 797") .
(4) في"جامع الترمذي": (5/ 603) :"كان لمحمد بن إسماعيل البخاري كتابًا يسجِّل فيه الفوائد". ويقصد بالفوائد هنا: التخاريج النادرة، والغرائب، والشوارد، ونحو ذلك. فجدير بطالب العلم، لا سيِّما الدعاة إلى الله تعالى، أن يحرصوا على ترسُّم منهج العلماء العاملين في الحرص على اقتباس العلم وتحصيله، لينشروا دين الله على بصيرة ونورٍ من الله.
ومن كتب الفوائد التي تزخر بالمرويات كتاب"الفنون لابن عقيل الحنبلي":
قال الحافظ ابن رجب في كتابه"النزل على طبقات الحنابلة": (1/ 129) عن كتاب الفنون لابن عقيل:
هو كتاب كبير جدًا، فيه فوائد كثيرة جليلة في الوعظ والتفسير والفقه والأصلين والنحو واللغة والشعر والتاريخ والحكايات، وفيه مناظراته ومجالسه التي وقعت له وخواطره، ونتائج فكره قيدها فيه. وقال ابن الجوزي: وهنا الكتاب مئتا مجلد، وقع لي منه نحو مئة وخمسين مجلداُ. وقال سبطه في"مرآة الزمان": (8/ 151) : وأختصر منه جدي عشر مجلدات فرقها في تصانيفه، وقد طالعت منه في بغداد في وقف المأمونية نحوًا من سبعين، وفيه حكايات ومناظرات، وغرائب وعجائب وأشعار. وقال عبد الرزاق الرسعني في تفسيره: قال لي أبو البقاء اللغوي: سمعت الشيخ أبا حكيم النهرواني يقول: وقفت على السفر الرابع بعد الثلاثمائة من كتاب الفنون، وقال الإمام الذهبي في"تاريخ الإسلام": حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربعمائة 0 أ هـ. قلت: وقد وجدت قرائن قوية تؤكد اقتباس كثير من معاني ابن الجوزي في صيد الخاطر، وهي منتقاة من كتاب الفنون لابن عقيل ولم يشر ابن الجوزي إلى ذلك إلا في القليل النادر. وسوف أعقد لها مبحثًا مستقلًا إن شاء الله تعالى.