فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 249

لَّما بلغ عمر ابن الجوزي ثلاث سنوات توفي والده"علّي بن محمد"، وخلَّف مالًا وفيرًا، لكن الابن عاش مرارة اليتم في طفولته، فكفلته أُمّه وعمَّته، وبعد وفاة أمه اعتنت به عمته اعتناءً بالغًا، حيث ربَّته على الصلاح والاجتهاد في العلم والعبادة، فكان يحضر مجالس العلماء في المساجد، ويسمع مذاكرة العلماء ومناظراتهم. (1)

وقد تحَّدث عن نفسه في كتابه"صيد الخاطر"فقال:"فأقول عن نفسي وما يلزمني حال غيري: إنَّني رجل حُبِّب إليّ العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به، ثم لم يحبب إلي فنٌّ واحد منه، بل فنون، ثم لم تقتصر هِمَّتي في بعض فن على بعضه، بل أرومُ استقصاءه ..". (2)

وكان في صباه جاَّدًا في التفقُّه وحفظ العلوم وتقليد الزهَّاد رغبةً في محاكاتهم والتأسِّي بهم، وقد أشار إلى حادثة وقعت له بسبب تقليده لوصايا الزهاد المتصوفة، فقال:"فحكى أبو طالب المكي في"قوت القلوب"أنَّ فيهم - المتصوفة - من كان يزن قوته بكربه رطبة، ففي كل ليلة يذهب من رطوبتها قليل، وكنتُ أنا ممن اقتدى بقوله في الصِّبا، فضاق المِعَى، وأوجب ذلك مرض سنين". (3)

وقد وضَّح هذه القصة في موضع آخر من"صيد الخاطر"حيث قال:"كنتُ في بداية الصبوة، قد أُلْهمِتُ سلوك طريق الزهَّاد، بإدامة الصوم والصلاة، وحُبِّبت إليّ الخلوة، فكنت أجد قلبًا طيبًا، وكانت عين بصيرتي قوية الحِدَّة، تتأسَّفُ على لحظة تمضي في غير طاعة، وتبادر الوقت في اغتنام الطاعات، ولي نوع أنس، وحلاوة مناجاة". (4)

ظل ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - مقبلًا على العلم والتحصيل، منصرفًا عن اللهو واللعب الذي يتشاغل به أترابه وأخدانه، يقول:"كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفةً يابسةً، فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى، فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلتُ لقمةً شربتُ عليها، وعين همتي لا ترى إلا لذًّة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وأحواله وآدابه، وأحوال أصحابه، وتابعيهم، فصرت في معرفة طريقه كابن أجود". (5)

(1) أشار ابن الجوزي إلى يُتْمِه في (الفصل / 168) وتحَّدث عن طفولته وحرصه على العلم، وأشار إلى حضوره مجالس العلماء في (الفصل / 162، والفصل / 82، والفصل / 235) من كتاب"صيد الخاطر -طبعة الرشد".

(2) "صيد الخاطر": (ص / 33 - الخاطرة رقم: 21) .

(3) المرجع نفسه: (ص / 27 - الخاطرة رقم: 19) .

(4) المرجع نفسه: (ص/29 - الخاطرة رقم:(22) .

(5) المرجع نفسه (ص / 215) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت