كان ابن الجوزي ينفق على نفسه من كسبه الخاص، وقد ترك له والده"علي بن محمد - رحمه الله تعالى - ثروة مالية انتفع بها في بعض أطوار نشأته. وقد كان أسلافه يعملون بتجارة"النحاس"، ولهذا السبب كان ابن الجوزي يكتب في بعض سماعاته"عبد الرحمن بن علي الصفًّار". (1) "
تزَّوج ابن الجوزي وأنجب ثلاثة أبناء وست بنات. وأشهر أبنائه عِلمًا وصلاحًا"يوسف بن عبد الرحمن"وقد برع في الفِقه والحديث والأصول والوعظ وتولَّى التدريس بالمدرسة المستنصرية، وكانت له صلات طيبة بالخلفاء العباسيِّين المتأخرين، وتولى حسبة بغداد عِدَّة مرات. أما ابنه"علي بن عبد الرحمن"فهو المعنيُّ بالنصيحة المسماة"لفتة الكبد إلى نصيحة الولد"التي رقمها أبوه لحثِّه على العِلمِ واكتساب الفضائل. (2)
وفي آخر حياة ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - ابْتُلي بوشاية مغرضة نُفِي بعدها إلى"واسط". فقد جاء إليه الحَرَس في داره، وأسمعوه غليظ الكلام، وختموا على كتبه وداره، وشتَّتوا عِياله، وفي الليل حَمَلوه في سفينةٍ وأحدروه إلى"واسط"وكان عمره نحو ثمانين سنة. فبقي خمس سنين محبوسًا في دارِ فيها، يخدم نفسه، ويغسل ثوبه، ويطبخ، ويستقي الماء من البئر، رحمه الله تعالى. وكان المحِّرض لِتلك الوشاية"عبد السلام بن عبد الوهاب الجيلي" (ت611 هـ) المتَّهم بسوء العقيدة، وكانت قد أُحرقت مؤلفاته بإشارة ابن الجوزي، وكان واصلًا عند الوزير ابن القصَّاب المعروف بتشُّيعه. وبعد خمس سنين استطاع"يوسف بن عبد الرحمن"الشفاعة لأبيه عند أم الخليفة الناصر لدين الله (ت 622هـ) ، فكلَّمها في شأن خلاص أبيه، فوافق الخليفة، وأطلق سراحه، وعاد إلى بغداد. (3)
(1) الذهبي: تذكرة الحفاظ: (4/ 1344) .
(2) ابن كثير: البداية والنهاية: (13/ 30) ومرآة الزمان: (8/ 679) .
(3) ... ابن رجب: ذيل طبقات الحنابلة: (1/ 426 - 427) .