المطلب الثاني: تعلُّمه وتعليمه:
مضى ابن الجوزي ينهل من منابع العلم والمعرفة في بغداد طيلة أيام عمره، ولم يخرج من مسقط رأسه إلاّ في حجِّه. وعندما أُرغم على الخروج إلى"واسط", فكان يسمع الحديث والفقه واللغة وسائر علوم الشريعة، ولعل وفرة المال الذي خلَّفه له والده كانت سببًا في تشجيعه على الحفظ والمطالعة والمذاكرة. وأهمُّ من ذلك توفيق الله تعالى له بالهمة العالية التي تقصر عندها همم كثيرٍ من الرجال. يقول - رحمه الله تعالى:"وإنِّي أُعطيت من علو الهِمَّة طرفًا، فأنا به في عذاب، ولا أقول: ليته لم يكن، فإنه إنما يحلو العيش بقدر عدم العقل، والعاقل لا يختار اللذة بنقصان العقل". ثم عرَّض بأبي مسلم الخراساني فقال عن همته:"فنظرت إلى حال هذا المسكين، فإذا هو قد ضيَّع أهم المهمات، وهو جانب الآخرة". وعرَّج على ذكر المتنبي فوصف حاله بأنه لا يطلب إلاّ الدنيا فحسب، وقد استفاد ذلك من قوله: ... وفي الناس من يرضى بميسور عيشه ... ومركوبه رجلاه والثوب جلده ... ولكن قلبا بين جنبي ما له ... مدى ينتهي به في مراد أحدُّه ... يرى جسمه يكسي شفوفًا تربُّه ... فيختار أن يكسي دروعًا تهدُّه. (1)
أقبل ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - على علوم القرآن كلها حتى برع فيها، واشتغل بالوعظ اشتغالًا جعله يتمكن منه ويبدع فيه، حتى إن الخليفة وبعض رجال الدولة كانوا يحضرون مواعظه ومجالسه. وقد وصف الرحالة ابن جبير - عند زيارته لبغداد - حال التائبين في مواعظ أبي الفرج بقوله:"تساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح" (2) ، وقال ابن رجب:"إذا وعظ اختلس القلوب وتشققت النفوس دون الجيوب" (3) . وقد أتَّم تفسير القرآن الكريم على منبر الوعظ، وقد تحدث عن هذه النعمة قائلًا:"ما عرفت واعظًا فسر القرآن كله في مجلس الوعظ منذ نزل القرآن، فالحمد لله المنعم". (4)
تعلًّم ابن الجوزي وعلَّم غيره، وقد رقم أبو الفرج في"صيد الخاطر"إشارات مضيئة إلى مظاهر عنايته بالعلوم والمعارف، فقد ذكر عن نفسه أنه كان يتردّد على جامع المنصور ببغداد، و"لقد نظرت في ثبت الكتب الموقوفة في المدرسة النظامية، فإذا به يحتوي على نحو ستة الآف مجلد، وفي ثبت كتب أبي حنيفة وكتب الحميدي، وكتب شيخنا عبد الوهاب بن ناصر، وكتب أبي محمد بن الخشاب، وكانت أحمالًا، وغير"
(1) صيد الخاطر: (ص / 218) .
(2) ابن جبير: رحلة ابن جبير - دار الكتاب اللبناني - الطبعة الاولى - 1412 ه: (ص / 208) .
(3) ابن رجب:"ذيل طبقات الحنابلة": (2 - 209) .
(4) ابن الجوزي:"المنتظم": (10/ 251) .