والتفهيم الذي قصده هو إيضاحه لكثير من جوانب العلم والأخلاق والمعارف، وتقريره لبعض المسائل الخلافية الواقعة في زمانه، وتدقيقه في تأملات النفس وما يخطر لها من أفكار وأحوال. يضاف إلى هذا نقده اللاذع لبعض ما يشاهده في زمانه من تقلبات سلوك الناس التي تخالف الشرع والطبع.
من ذلك قوله:"ولقد رأيت من الناس عجبًا، حتى من يتزيّى بالعلم: إن رآني أمشي وحدي، أنكر عليّ، وإن رآني أزور فقيرًا، عظّم ذلك، وإن رآني أنبسط وأ تبسُّم، نقصتُ من عينه. فقلت: فوا عجبًا! هذه كانت طريق الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة، فصارت أحوال الخلق نواميس لإقامة الجاه". (1)
ومن المظاهر القيمة العلمية للكتاب: إيراده لبعض أفعال الناس المستنكرة مما شاهده في عصره، إذ هو خير شاهد على ما يجري في بغداد وقراها من حوادث ووقائع. من ذلك قوله:"قدم إلى بغداد جماعة من أهل البدع الأعاجم، فارتقوا منابر التذكير للعوامّ، فكان معظم مجالسهم أنهم يقولون: ليس لله في الأرض كلام! وهل المصحف إلا ورق وعفص وزاج؟ وإن الله ليس في السماء! ....". (2)
وقوله:"حضرنا بعض أغذية أرباب الأموال، فرأيت العلماء أذلّ الناس عندهم ..". (3)
وقوله:"ورأينا بعض أشياخنا وقد بلغ الثمانين، وليس له أهل ولا ولد، وقد مرض، فألقى نفسه عند بعض أصدقائه، يتكلف له ذلك الرجل ما يشتهيه وما يشفيه، فمات، فخلّف أموالًا عظيمة!". (4)
وقد شنّع على متصوفة زمانه وذكر بعض أحوالهم وأسرارهم مما لا يكاد يوجد عند غيره من علماء زمانه، من ذلك قوله:"ولقد بلغني عن جماعة منهم - المتصوفة - أنهم كانوا يوقدون الشمع في وجوه ... المردان ....". (5)
وابن الجوزي - رحمه الله تعالى - يُقيّد بعض الأحوال الاجتماعية في عصره ويوظفها لتعزيز الوعظ والتذكير بأهمية العمل الصالح قبل اخترام المنية، من ذلك قوله:"اشتدّ الغلاء في بغداد في أول سنة ... (575 هـ) ، وكلما جاء الشعير زاد السعر، فتدافع الناس على اشتراء الطعام. فاغتبط من يستعدّ كل سنة بزرع ما يقوته، وفرح من بادر في أول النيسان إلى اشتراء الطعام قبل أن يضاعف ثمنه، وأخرج الفقراء ما في بيوتهم فرموه في سوق الهوان، وبان ذل نفوس كانت عزيزة. فقلت: يا نفس خذي من هذه الحال إشارة: ليغبطن من له عمل صالح وقت الحاجة إليه وليفرحن من له جواب عند إقبال المسألة ...". (6)
ومن مظاهر قيمة الكتاب العلمية أنه يزخر بعدد كبير من أسماء الأعلام: من علماء وأطباء وزهاد ومؤرخين نثر ابن الجوزي أخبارهم وأقوالهم في كتابه، وهم حوالي مئتا علم. فمنهم من نقده أبو الفرج، ومنهم من ردّ عليه، والقسم الثالث من استشهد بأقواله وتقريراته.
(1) "صيد الخاطر": (ص / 230) .
(2) المرجع نفسه: (ص / 166) .
(3) المرجع نفسه: (ص / 191) .
(4) المرجع نفسه: (ص / 266) .
(5) المرجع نفسه: (ص / 141) .
(6) المرجع نفسه: (ص / 224) . وللاستزادة من أحوال بغداد الاجتماعية ينظر: فهمي سعيد:"العامة في بغداد"- دار الكتاب المصري- الطبعة الاولى - 1990 ... (ص / 276 - 300) ، ومحمد شندب:"الحضارة الإسلامية في بغداد"- دار الكتاب المصري - الطبعة الأولى-1999 (ص / 43 - 48) .