قلت: وبسط أقوال ابن الجوزي في باب الإيمان والإسلام والحدود وأعمال القلوب والتحذير من البدع والمبتدعين: ليس من شرطي في هذه الرسالة , وتتبع ذلك يخرجني عن المقصود , وقد تقدم ما يغني عن الإطالة. والله المستعان.
(ب) - حفظ النفس: المقصود بحفظ النفس: تطهيرها من كل شائبة , وتزكيتها من كل آفة , والقيام على تربيتها بالأخلاق الحميدة , والشمائل المجيدة , تدريبًا وتهذيبًا ومحاسبة ومجاهدة لتستقيم على الجادة المستقيمة , وتبلغ الغاية الشريفه.
ولابن الجوزي خواطر مليحة في تفقد هذه الجوانب , وتلمس تلك الشمائل يقول:
1 -"تأملت اقدام العلماء بالعقاب على شهوات النفس المنهي عنها , فرأيتها مرتبة تزاحم الكفر, لولا تلوح معنى: وهو أن الناس عند مواقعة المحظور ينقسمون: فمنهم جاهل بالمحظور أنه محظور , فهذا نوع عذر , ومنهم من يظن المحظور مكروهًا لا محرمًا , فهذا قريب من الأول , وربما دخل في هذا القسم آدم - صلى الله عليه وسلم - , ومنهم من يتأول فيغلط , كما يقال: إن آدم - عليه الصلاة والسلام - نهي عن شجرة بعينها , فأكل من جنسها لا من عينها. ومنهم من يعلم التحريم , غير أن غلبة الشهوة آنسته تذكر ذاك فشغله ما رأى عما يعلم , ولهذا لا يذكر السارق القطع , بل يغيب بكليته في نيل الحظ , ولا يذكر راكب الفاحشة الفضيحة ولا الحد, لأن ما يرى يذهله عما يعلم , ومنهم من يعلم الحظر ويذكره , غير أن الأخذ بالحزم أولى بالعاقل , كيف وقد علم أن هذا الملك الحكيم قطع اليد في ربع دينار , وهدم بناء الجسم المحكم بالرجم بالحجارة لالتذاذ ساعة , وخسف , ومسخ , واغراق. (1) "
2 -"تأملت أحوال الناس في حالة علو شأنهم , فرأيت أكثر الخلق تبين خسارهم حينئذ , فمنهم من بالغ في المعاصي من الشباب , ومنهم من فرط في اكتساب العلم , ومنهم من أكثر من الإستمتاع باللذات , حينئذ , فكلهم نادم في حالة الكبر حين فوات الاستدارك لذنوب سلفت أو قوى ضعفت , أو فضيلة فاتت ,"
(1) :"صيد الخاطر: (رقم الخاطرة 17) ."