فيمضي زمان الكبر في حسرات , فإن كانت للشيخ إفاقة من ذنوب قد سلفت قال: وا أسفا على ماجنيت وإن لم يكن له أفاقة صار متاسفًا على فوات ما كان يتلذذ به , ولا يرى مايفقد من لذات البدن شيئًا بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم , هذا مع وجود لذاته في الطلب الذي كان تأمل به إدراك المطلوب , وربما كانت تلك الأعمال أطيب مما نيل منها , كما قال الشاعر:
أهتز عند تمني وصلها طربا ... ورَب أمنية أحلى من الظفر (1)
3 -"قوام الآدمي بشيئين: الحرارة والرطوبة , ومن شأن الحرارة أن تحلل الرطوبة وتفنيها."
فالآدمي محتاج إلى تحصيل خلف للمتحلل , فأبدان النشء تغتذي بأكثر مما يتحلل منها , والأبدان المتناهية تغتذي بمقدار مايتحلل منها , والأبدان التي قد أخذت في الهرم يتحلل منها أكثر مما تغتذي به , فينبغي للناشيء البالغ أن يتحفظ في النكاح , لأنه يربي قاعدة قوة يجد أثرها في الكبر , وأما المتوسط والواقف السن فينبغي أن يحذر فضول الجماع , فإن حصل له مثل ما يخرج منه أسرف , فاللازم آخذ من الحاصل , ويوشك أن يسرع النفاد , وأما الشيخ فترك النكاح كاللازم له , وخصوصًا إذا زاد علو السن , لأنه ينفق من الجوهر الذي لا يحصل مثله أبدًا , ثم ينبغي أن ينظر العاقل في ماله فيكتسب أكثر مما ينفق ليكون الفاضل مدخرًا لوقت العجز , وليحذر السرف فإن العدل هو الأصلح.
ثم ينظر في الزوجة , والمطلوب منها شيئان: وجود الولد , وتدبير المنزل , فإذا كانت مبذرة فعيب لا يحتمل , فإن انضمت صفة العقر فلا وجه للإمساك , إلا أن تكون مستحسنة الصورة , فإن ضم إليها عقل وعفاف حسن الإمساك , وإن كانت مما يحتاج أن تحفظ فتركها لازم، فأما الخدم فليجتهد في تحصيل خادم لا تستعبده الشهوة , فإن عبد الشهوة له مولى غير سيده, ولينظر المالك في طبع المملوك , فمنهم من لا يأتي إلا على الإكرام , فيكرمه فإنه يربح محبته, ومنهم من لا يأتي إلا على الإهانة فليداره , وليعرض عن الذنوب, فإن لم يمكن عاتب بلطف , وليحذر العقوبة ما أمكن, وليجعل للمماليك زمن راحة, والعجب ممن
(1) "صيد الخاطر": (رقم الخاطرة 168) .