(ج) حفظ العقل: لا جرم أن العقل مناط التكليف , وبه شَرف الله الآدمي. وقد دعا الشرع إلى حفظه ورعايته ودرء الفساد عنه. والنصوص في هذا وفيرة لا حصر لها. ولابن الجوزى في هذا المعنى وتلك الغاية سوانح مليحة , أسوق طرفًا منها لفوائدها:
1 -"تأملت على قوم يدعون العقول , يعترضون على حكمة الخالق , فينبغي ان يقال لهم: هذا الفهم الذى دلكم على رد حكمته أليس هو من منحه؟ أفأعطاكم الكمال , ورضي لنفسه بالنقص؟! هذا هو الكفر المحض الذى يزيد في القبح على الجحد. فأول القوم إبليس , فإنه رأى بعقله أن جوهر النار أشرف من"
جوهر الطين , فرد حكمة الخالق , ومر على هذا خلق كثير من المعترضين مثل ابن الراوندى والبصرى , وهذا المعرى اللعين يقول: كيف يعاب ابن الحجاج بالسخف, والدهر أقبح فعلًا منه؟ أترى يعني به الزمان؟ كلا فإن ممر الأوقات لا يفعل شيئًا , وإنما هوتعريض بالله تعالى. وكان يستعجل الموت ظنًا منه أنه يستريح , وكان يوصي بترك النكاح والنسك , ولا يرى في الإيجاد حكمة إلا العناء , والتعب , ومصير الأبدان إلى البلى. وهذا لو كان كما ظن كان الإيجاد عبثًا , والحق منزه عن العبث.
قال تعالى: {َمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا} (1) فإذا كان ما خلق لنا لم يخلق عبثا , أفنكون نحن - ونحن مواطن معرفته ومحال تكليفه - قد أوجدنا عبثا؟.
ومثل هذا الجهل إنما يصدر ممن ينظر في قضايا العقول التي يحكم بها على الظواهر , مثل أن يرى مبنيًا ينقض , والعقل بمجرده لا يرى ذلك حكمة , ولو كشفت له حكمة ذلك لعلم أنه صواب , كما كشف لموسى
مراد الخضر في خرق السفينة , وقتل الغلام , ومعلوم أن ذبح الحيوان , وتقطيع الرغيف , ومضغ الطعام لايظهر له فائدة سوى الإطلاق"فإذا علم أنه غذاء لبدن من هو اشرف بدنًا من المذبوح حسن ذلك الفعل."
وعجبا أو ما تقتضى العقول بجوب طاعة الحكيم الذى يعز عن معرفة حكم مخلوقاته فكيف يعارضه في أفعاله؟ نعوذ بالله من الخذلان", (2) "
(1) سورة ص: الآية:27.
(2) "صيد الخاطر": (رقم الخاطرة 307) .