2 -معرفة الله سبحانه لا تحصل إلا لكمال العقل , صحيح المزاج , والترقي إلى محبته بذلك يكون. وإن أقوامًا قلت عقولهم , وفسدت أمزجتهم , فساءت مطاعمهم , وقلت , فتخايلت لهم الخيالات الفاسدة , فأدعوا معرفة الحق , ومحبته , ولم يكن عندهم من العلم ما يصدهم عما أدعوا , فهلكوا, وليعلم أن فى
المأكولات إفساد العقل , وفيها ما يزيد في السوداء , فيوجب الماليخوليا , فترى صاحبها يحب الخلوة , ويهرب من الناس , ويقلل المطعم , فيقوى مرضه , فيتخايل له خيالات يظنها حقا.
فمنهم من يقول: إنى رأيت الملائكة , وفيهم من يخرجه الأمر إلى دعوى محبة الحق , والوله فيه , ولا يكون ذلك عن أصل معتمد عليه.
وإنما العاقل العالم يسير في الطريق بين الرفيقين: العلم , والعقل فإذا تقلل من الطعام فبعقل , وحد التقلل: ترك فضول المطعم , وما يخاف شره من شبهة أو شهوة يحذر تعودها , وأما زيادة التقلل مع القدرة فليس لعقل ولا شرع .. ألا أن يكون الفقر عم , فيتقلل ضرورة , ومن تأمل حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه , وجدهم يأخذون بمقدار , ولا يتركون حظوظ النفس التي تصلحها. (1)
ومن أحسن الأمر وأعدله قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"ثلث الطعام , وثلث شراب , وثلث نفس"وقد قال لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهو مريض:"أصب من هذا الطعام , فهو أوفق لك من هذا"وكان - صلى الله عليه وسلم - يشاور الأطباء ويحتجم , ويحث على التداوي ويقول: ..."ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء فتداووا". فجاء أقوام جهلوا العلم والحكمة في بنيان الأبدان , ... فمنهم من أقام في الجبال يأكل البلوط , فأصابه القولنج , ومنهم من قلل المطعم إلى أن ضعفت قواهم , ومنهم من إقتصر علي نبات الصحراء , ومنهم من كان لا يقوت إلا الباقلاء والشعير , فأوجبت هذه الأفعال أمراضا في البدن , وترقت إلى افساد العقل, وأنفق لهم قلة العلم ,إذ لو علموا لفهموا أن الحكمة تنهى عن مثل هذا , فإن البدن مبني على أخلاط إذا إعتدلت , وقعت السلامة , وإذا زاد بعضها , وقع المرض ,
(1) "صيد الخاطر": (رقم الخاطرة 333) .