وجهلة الصوفية وغلاتهم يرون أن من التسليم للقدر الاستسلام لكل ما يجري على الإنسان، بحيث لا يطلب خلاف ما يجري عليه، ولا يدفع شيئا من المكروه، حتى يقول قائلهم: إن العارف لا حظ له! أو إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل!
قال الإمام ابن تيمية: «فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ما لم يؤمر بطلبه، وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه» . [1] وهذا كلام باطل، ولا يمكن تحقيقه في الواقع أبدا.
وقوله: (ما سلِم في دينه إلا من سلَّم لله عز وجل ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -) كأنه يظهر من سياق الكلام أنه يريد التسليم لشرع الله في المسائل العلمية الاعتقادية، وفي المسائل العملية؛ فإن الدين يتضمن قسمين:
اعتقادات، وأعمال، قال تعالى: (( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ) ) [التوبة: 33] الهدى هو: العلم النافع، ودين الحق: العمل الصالح، (( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًَا ) ) [الأنعام: 114] ، (( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) ) [الأنعام: 57] ، قال تعالى: (( وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًَا ) ) [الكهف: 26] ، قال تعالى في تحكيم الرسول: (( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًَا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًَا ) ) [النساء: 65] لا بد من التسليم لحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقبوله بانشراح صدر، وطيب نفس، لا يتحقق الإيمان كاملا إلا بهذه الشروط: (( حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ) )وذلك بالإيمان به، وأن ما جاء به حق من عند الله، وأن ما حكم به في كل مسائل الدين هو الحق والعدل والصواب، فإنه - صلى الله عليه وسلم - إنما يحكم بشرع الله وحكمه، (( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) ) [النساء: 80] ، (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) ) [الحشر: 7] ، (( ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًَا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًَا ) ) [النساء: 65] .
(1) التدمرية ص 518.