لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، جفت الأقلام وطويت الصحف) [1] .
وقوله: (يفعل ما يشاء وهو غير ظالم أبدًا) .
يفعل سبحانه ما يشاء، فيعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويهدي ويضل، ويحيي ويميت، (( يُدَبِّرُ الأَمْرَ ) ) [يونس: 3] ، (( يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ) ) [الرعد: 26] ، و (( يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ ) ) [العنكبوت: 21] ، كل ذلك جارٍ على وفق حكمته تعالى، فله الحكمة في كل تدبير، كما تقدم في قول الطحاوي: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا) [2] .
فهو يهدي من يشاء بفضله وحكمته، ويضل ويخذل ويبتلي من يشاء بعدله وحكمته، فالحكمة ثابتة في كل تدبير، فهو يضع فضله في مواضعه؛ لأن الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، والعدل: وضع الأشياء في مواضعها، فالله تعالى يضع فضله في مواضعه حيث شاء على وفق الحكمة، خلافا لقول الجهمية ومن تبعهم كالأشاعرة: إن كل ما يجري بمحض المشيئة دون أن تكون له تعالى حكمة في هذا التقدير والتدبير، وقد تقدم نحو هذا المعنى [3] .
المقصود: أنه يجب الإيمان بأن أفعالَه سبحانه وتعالى جاريةٌ على وفق العدل والحكمة، فأفعاله دائرة بين الفضل والعدل، والظلم مما يجب تنزيهه تعالى عنه (( وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) ) [فصلت: 46] ، (( وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) ) [ق: 29] (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) [النساء: 40] والآيات في تنزيهه تعالى عن الظلم كثيرة.
فلا يعذب أحدا بغير ذنب، ولا يعذب أحدا بذنب غيره، وجاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم: (لو أن الله تعالى عذّب أهل سماواته وأهل أرضه
(1) تقدم في ص 182.
(2) ص 77.
(3) ص 77 - 81.