كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالزِّنَا، وَالخَمْرِ، وَنَحْوِهَا، فَكُلُّ المُسْلِمِينَ عُلَمَاءُ بِهَا، وَإِن كَانَ مِن دَقَائِقِ الأَفْعَالِ، وَالأَقْوَالِ، وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالاجْتِهَادِ، لَم يَكُن لِلعَوَامِّ مَدْخَلٌ فِيهِ، وَلَا لَهُم إِنكَارُهُ؛ بَل ذَلِكَ لِلعُلَمَاءِ. ۞ [مَسْأَلَةٌ] : قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: ثُمَّ العُلَمَاءُ؛ إِنَّمَا يُنكِرُونَ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ، أَمَّا المُخْتَلَفُ فِيهِ، فَلَا إِنكَارَ فِيهِ؛ لِأَنَّ عَلَى أَحَدِ المَذْهَبَيْنِ: (كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ) ، وَهَذَا هُوَ المُخْتَارُ عِندَ كَثِيرِينَ مِنَ المُحَقِّقِينَ، أَوْ أَكثَرِهِم، وَعَلَى المَذْهَبِ الآخَرِ: المُصِيبُ وَاحِدٌ، وَالمُخطِئُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لَنَا، وَالإِثْمُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ؛ لَكِن إِن نَدَبَهُ عَلَى جِهَةِ النَّصِيحَةِ إِلَى الخُرُوجِ مِنَ الخِلَافِ، فَهُوَ حَسَنٌ، مَحْبُوبٌ، مَندُوبٌ إِلَى فِعْلِهِ بِرِفْقٍ، فَإِنَّ العُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى الحَثِّ عَلَى الخُرُوجِ مِنَ الخِلَافِ، إِذَا لَم يَلزَم مِنهُ إِخْلَالٌ بِسُنَّةٍ، أَوْ وُقُوعٍ فِي خِلَافٍ آخَرَ. ۞ وَذَكَرَ القَاضِي أَبُو الحَسَنِ المَاوَرْدِيُّ، البَصْرِيُّ، الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ: «الأَحْكَامُ السُّلْطَانِيَّةُ» ، خِلَافًا بَيْنَ العُلَمَاءِ، فِي أَنَّ مَن قَلَّدَهُ السُّلْطَانُ الحِسْبَةَ: هَل لَهُ أَن يَحمِلَ النَّاسَ عَلَى مَذْهَبِهِ، فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الفُقَهَاءُ، إِذَا كَانَ المُحْتَسِبُ مِن أَهْلِ الِاجْتِهَادِ؟ أَم لَا يُغَيِّرُ مَا كَانَ عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ؟. ۞ [وَالأَصَحُّ] : أَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَم يَزَلِ الخِلَافُ فِي الفُرُوعِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، فَمَن بَعدَهُم، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَلَا يُنكِرُ مُحْتَسِبٌ، وَلَا غَيْرُهُ، عَلَى غَيْرِهِ. ۞ [مَسْأَلَةٌ] : قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: وَكَذَلِكَ قَالُوا: لَيْسَ لِلمُفْتِي، وَلَا لِلقَاضِي؛ أَن يَعْتَرِضَ عَلَى مَن خَالَفَهُ، إِذَا لَم يُخَالِف نَصًّا، أَوْ إِجْمَاعًا، أَوْ قِيَاسًا جَلِيًّا، وَاللهُ أَعْلَمُ. انتهى من "شرح مسلم" (ج٢ص:٢٣-٢٤) . ۞ [فَائِدَةٌ] : قَالَ الحَافِظُ ابنُ رَجَبٍ الحَنبَلِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي شَرحِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: فَتَبَيَّنَ بِهَذَا؛ أَنَّ الإِنكَارَ بِالقَلْبِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فِي كُلِّ حَالٍ، وَأَمَّا الإِنكَارُ بِاليَدِ، وَاللِّسَانِ، فَبِحَسَبِ القُدْرَةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا مِن قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِم بِالمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَن يُغَيِّرُوا، فَلَا يُغَيِّرُوا، إِلَّا يُوشِكُ اللهُ أَن يَعُمَّهُم بِعِقَابٍ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (برقم:٤٣٣٨) . انتهى من "جامع العلوم والحكم" (ج٢ص:٢٤٦) . ۞ [فَائِدَةٌ] : قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وَاعْلَم أَنَّ هَذَا البَابَ -أَعْنِي: بَابَ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ المُنكَرِ-: قَد ضُيِّعَ أَكثَرُهُ مِن أَزْمَانٍ مُتَطَاوِلَةٍ، وَلَم يَبْقَ مِنهُ فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ إِلَّا رُسُومٌ قَلِيلَةٌ جِدًّا، وَهُوَ بَابٌ عَظِيمٌ، بِهِ قِوَامُ الأَمْرِ، وَمَلَاكُهُ، وَإِذَا كَثُرَ الخَبَثُ، عَمَّ العِقَابُ: الصَّالِحَ، وَالطَّالِحَ، وَإِذَا لَم يَأْخُذُوا عَلَى يَدِ الظَّالِمِ، أَوْشَكَ أَن يَعُمَّهُمُ اللهُ تَعَالَى بِعِقَابِهِ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن