۞ فَمِن بَعضِ قَولِهِم: (إِنَّ أَطفَالَ المُشرِكِينَ عِندَهُم في الجَنَّةِ) ⁽١⁾.
--------------------
(١) [مَسأَلَةٌ] : اختَلَفَ أَهلُ العِلمِ في: [أَطفَالِ المُشرِكِينَ] : هَل هُم في الجَنَّةِ، أَم في النَّارِ؟ عَلَى أَقوَالٍ: ۞ قَالَ العَلَّامَةُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَمَّا أَطفَالُ المُشرِكِينَ، فَلِلنَّاسِ فِيهِم ثَمَانِيَةُ مَذَاهِبَ: ۞ [أَحَدُهَا] : الوَقْفُ فِيهِم، وَتَركُ الشَّهَادَةِ، بِـ (أَنَّهُم في الجَنَّةِ) ، أَو: (في النَّارِ) ؛ بَل يُوَكَّلُ عِلمُهُم إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيُقَالُ: (اللَّهُ أَعلَمُ مَا كَانُوا عَامِلِينَ) . ۞ وَاحتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحُجَجٍ، مِنهَا: مَا أَخرَجَاهُ في «الصَّحِيحَينِ» : مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا مِن مَولُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَو يُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تُنتَجُ البَهِيمَةُ مِن بَهِيمَةٍ جَمعَاءَ، هَل تُحِسُّونَ فِيهَا مِن جَدعَاءَ؟» . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَرَأَيتَ مَن يَمُوتُ، وَهُوَ صَغِيرٌ؟! قَالَ: «اللَّهُ أَعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» . ۞ [المَذهَبُ الثَّانِي] : أَنَّهُم في النَّارِ! وَهَذَا قَولُ جَمَاعَةٍ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، وَأَهلِ التَّفسِيرِ، وَأَحَدُ الوَجهَينِ لِأَصحَابِ الإِمَامِ أَحمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَحَكَاهُ القَاضِي نَصًّا، عَنِ الإِمَامِ أَحمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ. ۞ وَاحتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عِندَ أَبِي دَاوُدَ، قَالَت: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ذَرَارِيُّ المُؤمِنِينَ؟ قَالَ: «هُم مِن آبَائِهِم» . فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ بِلَا عَمَلٍ؟! قَالَ: «اللَّهُ أَعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» . قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَذَرَارِيُّ المُشرِكِينَ؟ قَالَ: «مِن آبَائِهِم!» . فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ بِلَا عَمَلٍ؟! قَالَ: «اللَّهُ أَعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» . ۞ [فَفِي هَذَا الحَدِيثِ] : مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ يَلحَقُونَ بِآبَائِهِم مِنهُم، هُم الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ؛ أَنَّهُم لَو عَاشُوا؛ لَاختَارُوا الكُفرَ، وَعَمِلُوا بِهِ، فَهَؤُلَاءِ مَعَ آبَائِهِم، وَلَا يَقتَضِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الذُّرِّيَّةِ مَعَ أَبِيهِ في النَّارِ. ۞ وَاحتَجُّوا -أَيضًا- بِمَا رَوَاهُ أَبُو عَقِيلٍ يَحيَى بنُ المُتَوَكِّلِ، عَن بَهِيَّةَ، عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّهَا سَأَلَت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن أَولَادِ المُسلِمِينَ؛ أَينَ هُم؟ قَالَ: «في الجَنَّةِ» . وَسَأَلَتَهُ عَن أَولَادِ المُشرِكِينَ: أَينَ هُم يَومَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: «في النَّارِ» . فَقُلتُ: لَم يُدرِكُوا الأَعمَالَ، وَلَم تَجرِ عَلَيهِمُ الأَقلَامُ؟! قَالَ: «رَبُّكِ أَعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ» . ۞ قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَحيَى بنُ المُتَوَكِّلِ لَا يُحتَجُّ بِحَدِيثِهِ، فَإِنَّهُ في غَايَةٍ مِنَ الضُّعفِ.