۞ [المَذْهَبُ الثَّالِثُ] : أَنَّهُمْ فِي الجَنَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وَالمُتَكَلِّمِينَ، وَغَيْرِهِمْ. ۞ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ": عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لِأَصْحَابِهِ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟» . قَالَ: فَنَقُصُّ عَلَيْهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ نَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَاتَ غَدَاةٍ: «إِنِّي أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ» . فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتِمَةٍ، فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ، رَجُلٌ طَوِيلٌ، لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ». وَفِيهِ: «وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الفِطْرَةِ». فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ وَأَوْلَادُ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأَوْلَادُ المُشْرِكِينَ» . ۞ فَهَذَا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ، صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ فِي الجَنَّةِ، وَرُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ. ۞ [المَذْهَبُ الرَّابِعُ] : أَنَّهُمْ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ، بَيْنَ الجَنَّةِ، وَالنَّارِ، فَإِنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ إِيمَانٌ يَدْخُلُونَ بِهِ الجَنَّةَ، وَلَا لِآبَائِهِمْ فَوْزٌ يَلْحَقُ بِهِمْ أَطْفَالُهُمْ تَكْمِيلًا لِثَوَابِهِمْ، وَزِيَادَةً فِي نَعِيمِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا يَسْتَحِقُّونَ بِهِ دُخُولَ النَّارِ. ۞ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، قَالُوا: وَهُمْ أَهْلُ الأَعْرَافِ. ۞ [المَذْهَبُ الخَامِسُ] : أَنَّهُمْ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، يَجُوزُ أَنْ يَعُمَّهُمْ بِعَذَابِهِ، وَأَنْ يَعُمَّهُمْ بِرَحْمَتِهِ، وَأَنْ يَرْحَمَ بَعْضًا، وَيُعَذِّبَ بَعْضًا، بِمَحْضِ الإِرَادَةِ، وَالمَشِيئَةِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى إِثْبَاتِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأَقْسَامِ، إِلَّا بِخَبَرٍ يَجِبُ المَصِيرُ إِلَيْهِ، وَلَا حُكْمَ فِيهِمْ إِلَّا بِمَحْضِ المَشِيئَةِ. ۞ وَهَذَا قَوْلُ الجَبْرِيَّةِ، نُفَاةِ الحِكْمَةِ، وَالتَّعْلِيلِ، وَقَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ مُثْبِتِي القَدَرِ، وَغَيْرِهِمْ. ۞ [المَذْهَبُ السَّادِسُ] : أَنَّهُمْ خَدَمُ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَمَالِيكُهُمْ، وَهُمْ مَعَهُمْ بِمَنْزِلَةِ أَرِقَّائِهِمْ، وَمَمَالِيكِهِمْ فِي الدُّنْيَا. ۞ [المَذْهَبُ السَّابِعُ] : أَنَّ حُكْمَهُمْ حُكْمُ آبَائِهِمْ فِي الدُّنْيَا، وَالآخِرَةِ، فَلَا يُفْرَدُونَ عَنْهُمْ بِحُكْمٍ فِي الدَّارَيْنِ، فَكَمَا هُمْ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا، فَهُمْ مِنْهُمْ فِي الآخِرَةِ. ۞ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالفَرْقُ بَيْنَ هَذَا المَذْهَبِ، وَمَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: (هُمْ فِي النَّارِ) ؛ أَنَّ صَاحِبَ هَذَا المَذْهَبِ، يَجْعَلُهُمْ مَعَهُمْ تَبَعًا لَهُمْ، حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ الأَبَوَانِ بَعْدَ مَوْتِ أَطْفَالِهِمَا، لَمْ يُحْكَمْ لِأَفْرَاطِهِمَا بِالنَّارِ؛ وَصَاحِبُ القَوْلِ الآخَرِ، يَقُولُ: (هُمْ فِي النَّارِ) ؛ لِكَوْنِهِمْ لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، لَمْ يَدْخُلُوهَا تَبَعًا!.