فَكَتَبْتُ إِلَى عُمَرَ بنِ عَبْدِالعَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ؛ أُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيَّ يَأْمُرُنِي؛ أَنْ أُرْسِلَ إِلَيَّ رِجَالًا مِن أَهْلِ الجَدَلِ، وَأُعْطِيَهُم رَهْنًا، وَخُذْ مِنْهُم رَهْنًا، وَاحْمِلْهُم عَلَى مَرَاكِبَ مِنَ البَرِيدِ إِلَيَّ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ، فَلَم يَدَع لَهُم حُجَّةً إِلَّا كَسَرَهَا، فَقَالُوا: لَسْنَا نُجِيبُكَ حَتَّى تُكَفِّرَ أَهْلَ بَيْتِكَ، وَتَلْعَنَهُم، وَتَبْرَأَ مِنْهُم! فَقَالَ عُمَرُ رَحِمَهُ اللهُ: إِنَّ اللهَ لَم يَجْعَلْنِي لَعَّانًا، وَلَكِن إِن أَبْقَى أَنَا، وَأَنْتُم، فَسَوْفَ أَحْمِلُكُم، وَإِيَّاهُم عَلَى المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ، فَأَبَوا أَن يَقْبَلُوا ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُم عُمَرُ رَحِمَهُ اللهُ: إِنَّهُ لَا يَسَعُكُم فِي دِينِكُم إِلَّا الصِّدْقُ، مُذْ كَم دِنتُم للهِ بِهَذَا الدِّينِ؟! قَالُوا: مُذْ كَذَا، وَكَذَا سَنَةً، قَالَ: فَهَل لَعَنْتُم فِرْعَوْنَ، وَتَبَرَّأْتُم مِنهُ؟! قَالُوا: لَا ! قَالَ: فَكَيْفَ وَسِعَكُم تَرْكُهُ، وَلَا يَسَعُنِي تَرْكُ أَهْلِ بَيْتِي، وَقَد كَانَ فِيهِمُ المُحسِنُ، وَالمُسِيءُ، وَالمُصِيبُ، وَالمُخطِئُ؟! قَالُوا: قَد بَلَغَنَا مَا هَاهُنَا، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ رَحِمَهُ اللهُ: أَن خُذ مَن فِي أَيْدِيهِم مِن رَهْنِكَ، وَخَلِّ مَن فِي يَدِكَ مِن رَهْنِهِم، وَإِن كَانَ رَأَى القَوْمُ أَن يَسِيحُوا فِي البِلَادِ عَلَى غَيرِ فَسَادٍ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلَا تَنَاوُلِ أَحَدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ، فَلْيَذْهَبُوا حَيْثُ شَاؤُوا، وَإِن هُم تَنَاوَلُوا أَحَدًا مِنَ المُسلِمِينَ، وَأَهْلِ الذِّمَّةِ، فَحَاكِمْهُم إِلَى اللهِ. وَكَتَبَ إِلَيْهِم: بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، مِن عَبْدِ اللهِ عُمَرَ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ إِلَى العِصَابَةِ الَّذِينَ خَرَجُوا، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَدِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. إِلَى قَولِهِ: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. وَإِنِّي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ، أَن تَفْعَلُوا كَفِعْلِ كُبَرَائِكُم: ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَرِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. أَفَبِذَنْبِي تَخْرُجُونَ مِن دِينِكُم، وَتَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ، وَتَنْتَهِكُونَ المَحَارِمَ، فَلَو كَانَت ذُنُوبُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَخْرَجَةً رَعِيَّتَهُم مِن دِينِهِم -إِن كَانَت لَهُمَا ذُنُوبٌ- فَقَد كَانَت آبَاؤُكُم فِي جَمَاعَتِهِم، فَلَم يَنزِعُوا، فَمَا سُرْعَتُكُم عَلَى المُسلِمِينَ، وَأَنْتُم بِضْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا؟ وَإِنِّي أُقْسِمُ لَكُم بِاللهِ؛ لَو كُنْتُم أَبْكَارِي مِن وَلَدِي، فَوَلَّيْتُم عَمَّا أَدْعُوكُم إِلَيْهِ مِنَ الحَقِّ؛ لَدَفَقْتُ دِمَاءَكُم، أَلْتَمِسُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ، وَالدَّارَ الآخِرَةَ، فَهَذَا النُّصْحُ، فَإِنِ اسْتَغْشَشْتُمُونِي، فَقَدِيمًا مَا اسْتُغِشَّ النَّاصِحُونَ، فَأَبَوا إِلَّا القِتَالَ، وَحَلَقُوا رُؤُوسَهُم، وَسَارُوا إِلَى يَحْيَى بنِ يَحْيَى، فَأَتَاهُم كِتَابُ عُمَرَ، وَيَحْيَى مُوَاقِفُهُم لِلقِتَالِ: مِن عَبْدِاللهِ عُمَرَ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ إِلَى يَحْيَى بنِ يَحْيَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي ذَكَرْتُ آيَةً مِن كِتَابِ اللهِ: ﴿وَلَا تَعْتَدُواْ