الضحاك وابن سكرة الهاشمي وابن الحجاج فقد كان صادرًا عن خلق وناقلا عن طبع ومعبرًا عن حالة. فالشعراء يقولونه ويفعلونه، وأهل البيوتات وذوو الثمالة يسمعونه ولا ينكرونه، فيما ذا نعلل ذلك الفساد الذي نال الطباع العربية الحرة فجعلها تمتهن الكرأمة وتلقي شعار الحشمة؟؟ إذا عللناه بمفاسد الترف حين تطغى الحضارة ويثور البطر كان هذا التعليل وحده غير فاصل ولامقنع. فأن أكثر أمم التمدن الحديث اليوم قد غرقوا في اللهو وشرقوا بالنعيم وأمعنوا في الخلاعة، ثم لا تجد النوابغ من شعرائهم وكتابهم يجرءون على أن ينعوا أنفسهم بالفواحش أو يجهروا في كتبهم بالفضائح، وناهيك بما حدث لفكتور مرجريت حين نشر قصة لاجرسون.
إنما الأشبه بالحق أن هناك سببًا آخر يساعد هذا السبب وهو كثرة الرقيق، وتأثير الرقيق إنما حدث من جهتين: أولاهما قيام العبيد على تربية الأحداث في كرائم الأسر، وفي كثرة العبيد دناءة في الطباع ووقاحة في القول فأفسدوا النشء وعودوهم هجر القول وفحش الحديث، وأخراهما إقحام الجواري والسراري خدور العقائل فأعدينهن من أخلاقهن بالمجانة، فسقطت المرأة من عين الرجل فأخذها بالعنف وضرب عليها الحجاب وأقام عليها الخصية على عادة الفرس وأقصاها عن تربية الولد وتدبير البيت وأتخذها للمتاع واللذة، فكان من ذلك أن فشت في الخاصة أخلاق العبيد والأماء فتنادروا بالفحش وأكثروا الشعر في الأحماض والمجون. وإليك شاهدًا آخر على تأثير الأحوال الاجتماعية والأمور المادية في فنون الآداب: ظهر أدب العامة أو الشعر باللغة العامية في بغداد والأندلس في عصر واحد، ففي بغداد ظهر المواليا على لسان صنائع البرامكة من العامة، وظهر نوع آخر ذكره ابن الأثير صاحب المثل السائر قال: (بلغني أن قومًا ببغداد من رعاع العامة يطوفون بالليل في شهر رمضان على الحارات وينادون بالسحور ويخرجون ذلك في كلام موزون على هيئة الشعر وان لم يكن من بحار الشعر المنقولة من العرب، وسمعت شيئًا منه فوجدت فيه معاني حسنة مليئة وأن لم تكن الألفاظ التي صيغت بها صحيحة) ولكن الشعراء والأدباء استخفوا به واحتقروه فلم يقلدوه ولم يدونوه ولم يأبهوا لأربابه. وحاول أحد الأطباء الأدباء وهو محمد بن دانيال الموصلي أن يبتكر نوعًا جديدًا من الأدب أقتبسه من ألعاب خيال الظل فألف كتابًا سماه طيف خيال فحبط عمله.