سيبويه المصري
للأستاذ احمد أمين
شخصية غريبة كانت في مصر في عهد الدولة الإخشيدية قبل بناء القاهرة، وكان يدوي اسمها في الفسطاط والقطائع وما بينهما قبيل مجيء الفاطميين، كانت شخصية ترهب وتحب، ويضحك منها، ويعتبر بها، إن شئت علما فعالم. أو شعرًا فشاعر، أو أدبًا فأديب، أو وعظًا فواعظ، أو فكاهة ففكه، أو نقدًا مقذعا فناقد، أو جنونًا فمجنون.
ولد بمصر سنة 284هـ وعاش أربعا وسبعين سنة وأتقن النحو حتى لقب بسيبويه
ألطف ما فيه لوثة (لحسة) كانت بعقله، هي سر عظمته فقد جرأ على ما لم يجرؤ عليه أحد في عصره، كان معتزليًا يقف في المسجد وفي الشارع فيصرح بآرائه في الاعتزال، ويصيح بأن القرآن مخلوق فيقولون مجنون. ويتركونه يقول ما شاء حيث لا يقول أحد شيئا من ذلك الا همسًا أو من وراء حجاب، ويتعرض للناس بالقول اللاذع سواء في ذلك كافور الإخشيد أو وزيره، أو العلماء أو التجار، فيتضاحكون منه ويتقون لسانه ببره والإهداء اليه، سرًا وجهرًا.
كانت نوادره كثيرة، تتلقفها الألسن، ويتناقلها الرواة، فتشيع في الناس وتكون سلوتهم ومثار ضحكهم.
وقديمًا عرف المصريون بالفكاهة الحلوة والنادرة اللطيفة كما عرفوا بالإعجاب بها والجد في طلبها والإمعان في الضحك منها.
من أجل هذا ألف ابن زولاق المصري كتابه اللطيف في نوادر سيبويه، لم يذكر فيه الا قليلا عن علمه ولم يذكر شيئًا عن نحوه ولا عن جده، وانما ملأه كله بفكاهته ولوثته. حذا ابن زولاق هذا حذو مؤلفي العراق في تدوين حوادث ظرفاء الممرورين. وابن زولاق نفسه يقول (لو كان سيبويه بالعراق لجمع كلامه، ونقلت ألفاظه، ولو عرف المصريون قدره لجمعوا عنه أكثر مما حفظوه) .
عرف منذ شب بهذه اللوثة، تظهر في حركاته ورمش عينه، وزادت بترديه في بئر أمام بيته، وتهيج أحيانا فيطرح ثيابه ويمشي عريان في الطريق على عورته خرقة، وعلى