للدكتور طه حسين
كنا نلغو أثناء الصيف، فلنجدَّ أثناء الشتاء، وماذا كان يمنعنا من اللغو أثناء الصيف، وفي الصيف تهدأ الحياة ويأخذها الكسل من جميع أطرافها فتوشك أن تنام ولا تسير إلا على مهل يشبه الوقوف، وفي أناة تضيق بها النفوس. كل أسباب النشاط مؤجلة إلى حين، غرف الاستقبال مقفلة، وملاعب التمثيل مغلقة أو كالمغلقة، ولا تذكر الموسيقى والغناء، فمن للموسيقيين أو المغنين بهذا الجو القوي الحي الذي يبعث النشاط والخفة والمرح في النفوس والقلوب، وفي الألسنة والأيدي، جو ثقيل يستتبع فتورًا ثقيلًا، يضطر الناس إلى أن يغدوا على أعمالهم فاترين، ويروحوا إلى بيوتهم مثقلين، لا يكادون ينظرون إلى المائدة حتى ينصرفوا عنها، تنازعهم نفوسهم إلى النوم، وتنازعهم أجسامهم إلى أمهم الأرض، فلا يكادون ينظرون إلى سرير أو شيء يشبه السرير حتى يسرعوا اليه، ويلقوا بانفسهم عليه، وإذا هم يتصلون به ويتصل بهم، وإذا هم يمتزجون به ويمتزج بهم، وإذا هم يصبحون مثله شيئًا جامدًا خامدًا لا حركة فيه ولا حياة، إلا هذه اليقظة الفاترة البطيئة الثقيلة السمجة التي تلم بهم من حين إلى حين، حين يثقل عليهم الحر، ويشتد عليهم القيظ، فيفيقون أو يهمون بالأفاقة، ثم يغرقون في النوم ليفيقوا، ثم ليعودوا إلى الغرق فيه. ثم ينحسر النهار عن الأرض بشمسه المحرقة الملتهبة، ويقبل الليل متثائبًا، يبعث في الجو أنفاسًا حارة، كأنها أنفاس العاشق الولهان المحروم قد أوقد الحب الخائب في قلبه نارًا مضطرمة قوية اللظى فلا تكاد أطراف هذا الليل الكسلان تمس الأرض حتى تبعث في الناس نشاطًا كسِلا يدفعهم إلى حركات متخاذلة، فيخرجون من بيوتهم متثاقلين قد ضاقوا بالدنيا وضاقت بهم. فهم يهيمون إن حملتهم أقدامهم يلتمسون مكانًا نضرًا لعلهم يجدون فيه فضلًا من نسيم قد صافح الماء، وأطال عشرته بعض الوقت، فيحمل إلى وجوههم وإلى قلوبهم شيئا من هذا البرد الخفيف اللطيف الذي يردهم إلى شيء من الدعة والهدوء.
هنالك يريدون أن يخرجوا من أنفسهم وأن ينسوا أشخاصهم، فيعمدون إلى اللغو يقبلون عليه كما يقبل المريض على الطعام، لا يكادون يذوقونه إلا على كره وفي مضض، ولعل الجو أن يعتدل، ولعل الجو أن يرق، ولعل هذه الأشربة الباردة المثلوجة أن تخفف بعض