على هامش السيرة
الفداء
للدكتور طه حسين
أصبحت سمراء محزونة كاسفة البال تبدو على وجهها المتجعد وجبينها المقطب كآبة مظلمة، لم تحاول في هذا اليوم أن تخفيها أو تخفف من حدتها كما تعودت أن تفعل منذ أعوام وأعوام، فقد عرفت سمراء ألم الحزن منذ احتفرت زمزم، ومنذ ظهر حرص زوجها على الولد، ورغبته في كثرة العدد، ومنذ خطب فاطمة المخزومية فأحبها وكلف بها، وانصرف إليها عن كل شيء وعن كل إنسان. ومنذ كثر ولد فاطمة من البنين والبنات واشتد لذلك حبعبد المطلب لها وكلفه بها، وانصرافه إليها، وتجافيه عن زوجه الأولى تلك التي أضاءت له سبيل الشباب وأعانته على احتمالأثقال الحياة الأولى.
نعم عرفت سمراء ألم الحزن في هذه الأعوام الطوال من حياتها، ولكنها كانت على بداوتها امرأة لبقة بارعة الجمال، زكية القلب، تعرف كيف تخفي عن زوجها ما يكره، وكيف تلقاه بما يحب.
وكانت توفق بفضل هذه اللباقة وهذا الذكاء إلى أنتستميل إليها زوجها. وربما إضطرته إلى أن ينقطع إليها وقتًا ما وينسى زوجه الأخرى إلى حين، ولكن يوما أقبل يحمل إلى سمراء شرًا ليس فوقه شر وألمًا ليس بعده ألم، أصبح هذا اليوم مظلمًا، فما أمسى حتى أظلمت له حياة سمراء كلها، ذلك أنه مضى بموت إبنها الوحيد، فأذاقها مرارة الثكل واليتم والترمل جميعًا. فقد كان الحارث لها إبنًا تجد عنده قرة العين، وأبًا تحس منه العطف وحنو الآباء، وكان هو يجد ألمها، ويعرف أسراره ويجد في الطب لهذا الألم، فكان يبالغ في رعاية أمه وحمايتها، وكان شديد الحرص على أن يلقاها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وعلى أن يطيل المكث معها والتحدث إليها، يشركها في جد أمره ولعبه، يستشيرها ويظهر قبول مشورتها والاستماع لنصحها. فكان يقوم منها في أكثر الأحيان مقام أبيه، وكان يعزيها بحبه وبره عما كانت تجد من الوحشة حين يصد عنها زوجها فيطيل الصدود. فلما مات الحارث مات