للأستاذ احمد أمين
أشرت في مقال سابق إلى العلاقة بين الذوق العام ورقي الأدب، ووعدت القراء أن أعود إلى هذه العلاقة، أزيدها بسطًا وايضاحًا، وذلك ما أحاوله في هذا المقال.
يذهب بعض المفكرين إلى أن الفنون (ومنها الأدب) ترتقي وتنحط، وتعلو وتسفل، وتتقدم وتتأخر، في الأمم اعتباطًا من غير أن يكون لذلك أسباب. أو على الأقل أسباب ظاهرة، فالناظر لتاريخ الفنون في العالم يرى أن أمة في عصر من العصور قد ترقى في فن من الفنون، كالموسيقى أو الحفر أو التصوير أو الشعر، على حين أن أمة أخرى ترقى في فن آخر من هذه الفنون، ثم بعد رقي عظيم تنحط الأمة في هذا الفن ويحل محل الفن فن آخر. أو لا يحل محله شيء، وتتبادل الأمم ذلك من غير أن يكون لهذا التقدم وهذا التأخر علة مفهومة، وشأن الفنون شأن النابغين، فقد ينبغ النابغ في أمة ولا نعرف لم نبغ وكيف نبغ، وتحاول الأمة أن تخلق نابغين فلا ينخلقوا. بل ترى الأمر عجبًا، فقد يوجد النابغة والأمة على أسوأ ما يكون من ضعف في الخلق، وضعف في العقل، ثم ترقى الأمة عقلًا وترتقي خلقًا، وكان مقتضى هذا أن يكثر عدد النابغين فيها ويزدادوا نبوغًا بازدياد الأمة رقيًا فينعكس الأمر حتى لتجد الأمة وأعضاؤها قوية ولا رأس، بينما كان لها في حال ضعفها رأس قوي ولا أعضاء، ما ذاك إلا لأن النابغة يوهب ولا يخلق. وقد قال هؤلاء إن الفنون في ذلك ليست كالعلوم، فالرقي في العلوم سبيله ميسور ممهد، وتستطيع الأمة أن تضع لها خطة تسير عليها لترقى في الطبيعة أو الكيمياء أو الرياضة. فإذا هي جدت في ذلك وصلت إلى درجة من الرقي تناسب جدَّها واستعدادها، ولكنها لا تستطيع أن تضع خطة تسير عليها للرقي في الشعر والموسيقى والتصوير، لأن ذلك نوع من الإلهام، والإلهام بيد الله يمنحه من يشاء كيف شاء متى شاء. ولعل الكاتب يشعر بهذا تمام الشعور في نوع ما يكتب، فهو إذا أراد أن يكتب بحثًا علميًا أو يحقق لفظًا لغويًا أو يحرر حادثًا تاريخيًا، فهو في اكثر أوقاته مستعد لذلك، ما لم يكن مريضًا أو مهمومًا، ولكنه وإذا شاء أن يكتب قطعة فنية أدبية إنشائية لا يستطيع ذلك إلا في حالة نفسية صافية، ومزاج يتناسب والقطعة الفنية التي ينشئها، من حزن أو سرور، وحلم أو غضب، ويصادفه وقت هو كما يسميه الصوفية