للأستاذ أحمد أمين
أبت علىَّ نفسي أن تكتب اليوم إلا في الموت، وهل نتاج الكاتب إلا قطعة من نفسه؟ يفرح فيرقص قلمه، وينقبض فيسبل قلمه بالدمع، وقد كرهت للقراء هذا العنوان فأضفت إلى الموت الحياة، ولست أدري لمَ يلطف ذكر الحياة الموت، ولا يلطف ذكر الموت الحياة
دعا إلى هذا أني فجعت هذه الأيام بموت أصدقاء كأنهم كانوا على ميعاد، وكأن لموت الأصدقاء أيضًا موسمًا كسائر المواسم وإن لم يحدد زمنه ويعرف زمنه ويعرف مداه.
تنفك تسمع ما حيي ... ت بهالك حتى تكونه
والمرء قد يرجو الحيا ... ة مؤملًا والموت دونه
وكان آخرهم صديق استعجل الموت فأنشب في المنية أظفاره قبل أن تنشب فيه أظفاره، وقطع حظه من الدنيا قبل أن تستوفي حظها منه، لم يصبه سهم القضاء فأخذ السهم منه ورماه بنفسه في نفسه فمضى سابقًا أجله - غربت شمسه ضحى، واستكملت ساعته دقاتها قبل ميعادها
كان سريّ النفس، نبيل الخلق، طيب العنصر، يغبطه كل من عرفه على ما وهب من خلال، وما تهيأ له من وسائل الرفاهة وأسباب النعيم، وما دروا أن الأمر في السعادة والشقاء إلى ما في داخل النفس لا ما في خارجها، وأن نفوسًا قد تشقى في النعيم، ونفوسًا قد تسعد في الشقاء.
جزعت لموته واستكنت للعبرة، وفقدت بفقده السلطان على دمعي وقلبي، فرحمه الله ورحمني.
ولكن ما الجزع من الموت وقد طال عهدنا به، وعرفه بنو آدم منذ عرفوا الحياة. ولمَ لم يألفوه كما ألفوه كثيرًا من المر حتى إعتادوه، وليس الموت في ذاكرته مرًا ولا أليمًا، وكما قال أحد الرواقيين (إن الموت هو وحده المصيبة التي لا تمسنا، ففي حياتنا لا موت، وإذا جاء الموت فلا حياة) وقد نظم المتنبي هذا المعنى فقال:
والأسى قبل فرقة الروح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق
ولكن أعظم الناس شأن الموت لما أحاط به من ظروف، وما أتصل به من خيالات، وأثير