مُقَطَّفَة
للأستاذ إبراهيم بك جلال وكيل محكمة أسيوط الأهلية
كنا في حاضرة صغيرة في صعيد مصر، يجري في سفحها النيل زاخرًا فياضا، وينطلق بين أغوارها رعاة الماشية في إثر الكلأ، وتستقيم على أنجادها بواسق النخيل يسطع بريق الضحى من سعفها كالأسنة في متون القنا.
وكان في أقصى المدينة خليج صغير يأخذ من النيل، يجري فيه الماء غديرًا رقيقًا، يفيض بركة ويمنًا حول ربوة عالية فيها أكواخ بالية لقبيل من الناس، عدتهم بين العشرين والثلاثين، فيهم الشيخ والطفل، وبينهم حفنة دون العشرة أهل باس ونجدة. وتمتد أكواخهم في ذرى النجد كالحة الجدران، تنساب بين شعابها عنزات عجاف، وتنيخ بأفنائها الأباعر، وتسبح في أفقها أسراب الحمائم.
ولأهل ذاك القبيل حقل صغير فوق الربى العالية عزّ على القوم سقياه، فشقوا له في السفح ثلاثة (شواديف) ، يستقي أدناها من ماء الخليج فيسقي الذي يليه، وذاك يحمل ما تعلل به من البلل إلى الثالث، وذلك يلقى سقياه إلى الحقل.
ويتناوب أهل النجد تلك الشواديف؛ فهم أبدًا جاثمون تحت السعير المتقد من جمرة الصيف في أثمال كشفها البلى عن سواعد دونها الفولاذ، فيشتدون في ساريات الشواديف جذبًا ودفعًا حتى يستوفي الحقل ريًا، فيُفيئون إلى صفصافة في الحي بها ظل وارف.
وكنا في دهشة الحرب العظمى، فخيم حول المدينة طائفة من جنود بريطانية يحرسون شعاب الصحراء ومفاوزها من أشياع السيد السنوسي، فكنا نصطبح بفرسانهم دارعين يمشون إلى المصاف ثم يعرجون إلى المضارب.
وجاء فيض النيل غمرًا كأحسن العهد بالوفاء، وجرى الماء كثيفًا في خليج أهل القبيل، فاندفع الغلمان يسبحون فيه، وتوافد النساء يرتعن ويلعبن.
وكان بالنجد عذراء فتية، لونها الخمر إذا صفا، وغرتها البدر، وخطرتها الظبي، وحدقها المها، تسري بين الربى في قميص قُدَّ من قُبل في غير إثم ولا حرج، وفي خصرها نطاق من نسيج قرمزي كبرزخ الحسن، يعلو بك صعدًا إلى معاقد ما بين ثدييها حيث الفتنة