للأستاذ راشد رستم
في ناحية من نواحي الحديقة المنسقة الواسعة، أنشأوا بحيرة صغيرة صافية، وحول هذه البحيرة الساكنة قامت الأشجار عظيمة السيقان، كثيرة الأغصان - تباعدت في الأرض جذوعها، والتقت في السماء فروعها - دوحة خضراء، نادرة المثال في هذا النوع من التنسيق والجمال، اتخذت منها الأطيار الوديعة أراجيحها اللينة، وأقامت فيها أعشاشها الآمنة.
وفي وسط هذه البحيرة الصغيرة أقاموا تمثالًا كبيرًا لأله البحر الأعظم: نبتون بن زحل. . .
أقاموه في هذا المكان الهادئ، واقفًا يحمل في يمناه صولجانه مثلث الأسنان، ويمد يسراه في اطمئنان مشيرًا إلى الماء الخاضع في هدوء عند قدميه، وكأنه يقول: هذا ملكي، هذا عرشي!
أي نبتون! مزعزع ركن الثرى
ما كنا لنجهل ملكك، أو نسلبك عرشك.
رمز لظلمات ذلك الخيال المضطرب لما رآك أجدادنا المتقدمون؛ ولذلك الرعب الآخذ بنفوسهم لما تركوك إلى برهم؛ ولذلك التعدي، وقد جهلوه منك، عندما حاولت أن تصل إليهم بمدك؛ ولذلك الفشل، وقد تمنوه لك، لما عدت عنهم خائبًا بجزرك.
على أنك لا تزال تطغى ولا ترحم، وستهشم ما تصل إليه يدك في غدك، كما كنت تفعل في أمسك، وإن كنت تحوي الدر، وتؤدي خيرًا، فإنك لا تدري إن هذا خير وذاك در.
إن هذه البحيرة الصغيرة الهادئة لا تستحق من أهل السلام وأهل الجمال، أن تقوم أنت وسطها على جزيرة لا تكاد تفي بموطئ قدميك، تقوم فيها بثقيل هيئتك، وكالح وجهك وخشن شكلك. وهنالك في المحيط الواسع جزائر عظمى، خذها مسكنًا وصقيلًا، فعندها تجد لخشونتك مجالًا، ولوحشيتك ميدانًا، وهنالك حيث أهلها وسكانها أقرب طباعًا لما يرضيك، فتتخذهم أعوانًا أو عبيدًا أو خلقًا جديدًا، تسخرهم فيما تشاء من إغراق وإغداق، وتراهم يرتاحون لجوارك ويحافظون على سلطانك، وهم يرون في عتوك وجبروتك حماهم الذي