للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
منذ بضع سنوات - أربع أو مائة، لا أدري! - استقر عزمي على القضاء الصيف في لبنان، فجمعت ما عندي من الثياب القديمة، وحشوت بها حقيبة، وقلت أقضي أيامًا في الإسكندرية ثم أبحرت منها إلى بيروت. وهناك - في الإسكندرية، لا بيروت - لم أدع شركة ملاحة إلا دخلت مكتبها واستفسرت من رجالها عن البواخر، حتى الذاهبة إلى الهند، ومواعيد وصولها ورحيلها. وكنت أخرج من كل مكتب بحزمة من الأوراق، فيها صور مغرية وأسعار منفرة. فاتفق يومًا أن لج وكيل (شركة سيتمار) في تزين السفر على الباخرة (اسبيريا) إلى إيطاليا، وكان الوقت ظهرًا، وأنا جوعان، فدار رأسي، ووهن عزمي، وكدت أنقذه ثمن التذكرة، ولكني تذكرت أن (الجواز) يحتاج إلى (تأشيرات) فاعتذرت به وانصرفت. وعدت إلى فندق (بوريفاج) في أقصى (الرمل) وكنت مقيمًا به، وأسرعت إلى مائدتي فجلست إليها، وكنت مهمومًا مكروبًا موزع النفس، بين لبنان والباخرة (اسبيريا) - أي والله! كأنما كنت سأقضي الصيف كله على ظهرها! - فناديت الخادم وطلبت من النبيذ عسى أن يذهب عني الفتور،
وملأت الكأس، وتناولتها، ورفعتها إلى فمي، فسمعت من ورائي صوتًا رخيمًا يقول: (المازني - هذا - حشرة!) .
فارتدت يدي عن فمي، وهي ترعش، وسالت عليها قطرات من النبيذ، ومضى الصوت الحلو يفري أديمي: (حشرة حقيرة - يجب سحقها بالأقدام.)
فتلفت مذعورًا وقد خيل إلي أن العيون كلها صارت علي، وتمنيت لو أن إدارة الفندق تحرم الكلام على الطعام، أو تجيء بموسيقى تغرق في أنغامها العالية القوية هذه الأصوات الحلوة! ولكن الكلام لم يكن محظورًا، ولا موسيقى هناك، فسمعت مكرها: (سكير لا يفيق، ومعربد لا يرعوي) .
فقلت في سري (يا خبر اسود؟! أنا سكير لا أفيق؟؟ أنا عربيد؟؟) ودهشت، ولو أن رجلًا كان يزعمني كذلك لما حفلت نفسي ماذا يقول عني، ولكنها فتاة - فتاة على التحقيق. . صوتها وحده دليل على ذلك - تذكرني بلهجة المحنق، كأنما كنت قد قتلت أباها، - قاتله