فكرة النظام الشمسي الحديثة
تغلب النظام الكوبرنيكي على النظام البطليموسي
بقلم فرح رفيدي
من البدهيات التي لا تستلزم حيرة الإنسان كثيرًا هي أنا نرى الشمس تدور لأن الأرض تدور، ولولا ذلك لما كان ليل ونهار، ولكانت الأرض أبدًا نصفين ثابتين، نصفًا مظلمًا قاتمًا، ونصفًا مستنيرًا أبدًا بشمس ثابتة
وهذا الذي قد نعتبره أمرًا بدهيًا اليوم، كان بالأمس سبب الشقاق وموضوع الحوار، وقبلة أنظار الباحثين من الفلكيين وغير الفلكيين. ومنذ مئة وخمسين سنة فقط كان الحوار قائمًا على منبر جامعة هارفرد بأمريكا في إذا ما كانت الأرض تدور أو لا تدور، وكان من برنامج الجامعة نفسها أن تدرس الفكرتين المتناقضتين في وقت واحد. وقبلها بوقت قصير كانت جامعة باريس تؤيد الفكرة القائلة بأن حركة الأرض حول الشمس فكرة مناسبة إلا أنها خاطئة. فحداثة هذه الفكرة تدل على أن الفكرة اليونانية عن نظامنا الكوني لم تزل من قلوب الناس بإعلان كوبرنيكس لفكرته الجديدة، بل ظلت الفكرتان تتحاربان في عقول الناس إلى أن تغلبت إحداهما على الأخرى. وكان الانتصار الذي أحرزته الفكرة الجديدة انتصارًا نهائيًا للحقيقة، وموتًا أبديًا للفكرة الباطلة التي شغلت عقول الناس بتناقضها وكثرة تعقدها
قبل أن يبزغ نور الفكرة الحديثة بألفي سنة كان فيثاغورس اليوناني يعتقد بحركتي الأرض اليومية والسنوية، غير أن هذا الاعتقاد قد قضى عليه أرسطو، ورفضته الكنيسة لمنافاته للدين المسيحي في العصور الوسطى، فمات قبل أن ينشر أو ينتفع به أحد، والكنيسة لم تقف عند حد رفض الفكرة وتحريم الاعتقاد بها، بل تعدته إلى تضحية كل نفس جاهرت بمعتقدها الحر، فأحرقت جيوردانوبرونو سنة 1600 لاعتقاده بعوالم عديدة في الكون غير عالمنا، وقاسى غاليليو ألوانًا من العذاب لتأييده ما أقره كوبرنيكس. وكوبرنيكس نفسه كان محجمًا طول مدة حياته عن أن يجاهر بعقيدته خوفًا من الكنيسة ومن أن يهزأ بفكرته،