للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
(أرملة الحكومة) فيما تواضعنا علينا بيننا وبين قرائنا هو الرجل العَزَب، يكون مُطِيقًا للزواج قادرًا عليه ولا يتزوج؛ بل يركب رأسه في الحياة، ويذهب يُمَوِّهُ على نفسه كذبا وتدليسًا، وينتحل لها المعاذيرَ الواهية، ويَمْتَلِق العللَ الباطلة، يحاول أن يُلْحق نفسه بمرتبة الرجل المتزوج من حيث يَحُطُّ الرجلَ المتزوجَ إلى مرتبته هو؛ ويضيف شؤَمه على النساء إلى هؤلاء النساء المسكينات، يزيدهن على نفسه شرَّ نفسه؛ ويرميهنّ بالسوء وهو السوءُ عليهن، ويَتَنَقَّصهُنّ ومنه جاء النقص، ويَعِيبهُنّ وهو أكبر العيب؛ لا يتذكر إلا الذي له، ولا يتناسى إلا الذي عليه، كأنما انقلبت أوضاع الدنيا، وتبدلت رسومُ الحياة، فزالت الرجولة بتبعاتها عن الرجل إلى المرأة، وانفصلت الأنوثة بحقوقها، فوجب أن تَحمل تلك ما كان يحمل هذا، فتُقْدِمَ ويَقَرَّ وادعًا، وتتعتب ويستريح، وتعاني الهمومَ السامية في الحياة الاجتماعية، ويعانَى المخنَّثُ ابتساماِته ودموَعه، متّكئا ًفي مجلسه النّسيميّ تحتَ جناح المِرْوحة. . . فأما المرأة فتشرِف على هَلَكَتِها، وتخاِطرُ بحاضرها ومستقبلها، وأما هو فيبقى من ثيابه في مثل الخِدْر الَمصُوِن. . .!
(أرملة الحكومة) هو ذلك الشاب الزائف المُبهْرَج، يُحْسبُ في الرجال كذبا وزورًا، إذ لا تكمل الرجولةُ بتكوينها حتى تكمل بمعاني تكوينها، وأخصّ هذه المعاني إنشاءُ الأسرة والقيامُ عليها، أيْ مغامرةُ الرجال في زمنه الاجتماعيّ ووجودِه القوميّ، فلا يعيش غريبًا وهو معدود فيه؛ ولا طُفَيْليّا فيه وهو كالمنفيَّ منه، ولا يكونَ مَظْهرًا لقوة الجنس القوي هاربةً هروب الجبن من حَمْل ضَعف الجنس الآخر المحتمي بها، ولا لمروءة العشير مُتَبرِّئةً تَبَرُّؤَ النذالة من مؤازرة العشير الآخر المحتاج إليها؛ ولا يرضى لنفسه أن يكون هو والذل يعملان في نساء أمته عملًا واحدًا، وأن يصبح هو والكساد لا يأتي منهما إلا اثُرٌ متشابه، وأن يبيت هو والفناء في ظلمةٍ واحدة كظلمات القبر، تنتقل الأجداثَ إلى الدور، فتجعل البيت الذي كان يقتضيه الوطنُ أن يكون فيه أبٌ وأمٌ وأطفال - بيتًا خاويًا كأنما ثكل الأم والأطفال، وبقيت فيه البقية من هذا الرجلِ العَزَبِ الميت أكثرُ تاريخه. . .!
لقد رأيت بعينيّ أداةَ العزب وأثاثه المبعثر في بيته، كأنما يقصّ عليه كلُّ ذلك قصةّ شؤمه