فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 7388 من 65521

للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني

كان الظلام قد خيم بعد غيوب الشمس، وذهبت معارف الأرض، وانتقل كل مجسد إلى عالم الأشباح الغامضة، وتسربت الألوان المختلفة في السواد الذي غمرها، وتحول الجو من طلاقة الاعتدال وطيبه إلى البرد، كعادته في هذه المناطق الصحراوية، فتحول أهل البيت إلى الحجرات طلبًا للدفء، أو اتقاء لما يجر إليه التعرض للقر، وكان البواب النوبي يتمشى في الحديقة بعد أن خلت من المتنزهين وفي يده مسبحته الطويلة التي لا تفارقه، فهي على عنقه كالعقد إذا لم تكن حباتها بين أصابعه، وكان قد وصل إلى آخر الممر، ودار ليعود، فقال له حوضُ الأذريون

-أو هكذا خيل إليه:

(هشش!)

فنظر مبهوتًا إلى هذا الزهر الأصفر ذي الخمل الأسود، وتعجب من نطقه، فلولا فرط الدهشة للاذ بالفرار، فقد كان من المؤمنين بالعفاريت وركوبها الناس واتخاذها أشكالًا وصورًا شتى، وتقمصها أجسام الحيوان، ولم يكن بعيدًا في التصور عنده أن تطلع من أحواض الزهر

ومنعته الدهشة أن يجيب بشي. وأي جواب لمثل هذا النداء سوى الالتفات إلى مصدر الصوت؟ ولا مصدر له يعلمه سوى هذا الحوض

وعاد الصوت الخفي يقول:

(هشش!)

ولكنه لم يصدر في هذه المرة عن الحوض، بل انتقل إلى ما وراء الزرع المفرش على السور الحديدي، وكفى بهذا التحول سببًا للرعب، فما يمكن أن يجيء الصوت من الإمام مرة، ومن الخلف مرة إلا إذا كان صاحبه عفريتًا من الجن، فانطلق البواب يعدو كالنعامة إلى حيث يرجو أن يجد أنيسًا يذهب عنه الخوف

وسخط العفريت لما رأى فريسته تفلت من يده، وتخلص من ألفاف الشجر المتشجنة تخلصًا لا يعود بحسن السمعة وطيب الأحدوثة على الجن قومه، ولا يشهد لهم بالبراعة والحذق،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت