معذرة سقراط
ترجمة الأستاذ زكي نجيب محمود
تمهيد
كان أفلاطون فيلسوفًا فنانًا على بعد ما بين الفن والفلسفة، فقد دون أراءه كلها في أسلوب الحوار الذي بلغ من الدقة والجمال حدًا وضعه في أسمى مراتب الفن. ونحن إذ نتقدم إلى القراء بهذه الترجمة لمحاوراته، إنما نلتمس العفو عما قد تصاب به تلك الآيات البينات من تشويه. على أن القارئ إذا فقد جمال الأسلوب فلن تضيع منه بإذن الله دقة المعنى وأمانة النقل.
وهذا الحوار الذي نترجمه لك اليوم، كتبه أفلاطون ليصور به دفاع سقراط عن نفسه يوم محاكمته بتهمة الإلحاد وإفساد الشباب. ولسنا ندري إلى أي حد تطابق هذه الصورة الأفلاطونية الحقيقة الواقعة. هل احتفظ أفلاطون بألفاظ سقراط نفسها أم ما يقرب منها؟ أم أنشأها إنشاء ليعبر بها عما كان يجب أن يكون من سقراط في دفاعه؟ أم هي قصة جمعت بين الطرفين، فأثبتت ما قيل وأضافت إليه ما كان يجب أن يقال؟ وسواء أكانت هذه أم هذه أم تلك، فهي على كل حال تصور روح سقراط في الحديث تصويرًا دقيقًا، وتحلل نزعته تحليلًا بارعًا، فلا يسع القارئ وهو يقرأ هذا الحوار الذي دبجته براعة أفلاطون إلا أن يعتقد اعتقادًا جازمًا بأنه إنما يتلو عبارة تحركت بها نفس سقراط وجرى بها لسانه؛ فشخصيته بارزة في كل سطر من سطوره بروزًا لا يخطئه النظر، فأنت ترى لمحات من التهكم اللاذع الذي امتاز به سقراط في حديثه، وأنت تلاحظ روح التحدي جلية واضحة، والتحدي طابع معروف في شخصية سقراط. وسنرى كذلك في هذا الحوار تفككًا فلا تتصل أجزاؤه بصلة من منطق قوي، فكأنما أراد أفلاطون بهذا أن يكون أمينًا في الصورة التي يقدمها عن سقراط؛ فسقراط لم يكن في حياته يعنى بمنطق الحديث. فهو إذا بدأ حوارًا مع آخر لا يلبث أن يشعبه باستطراده من ناحية، وبالأسئلة العرضية التي يطرحها مناقشوه أثناء الحديث من ناحية أخرى، فيخرج الكلام آخر الأمر، وليس فيه وحدة تربطه أوله