للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
على عتبة (البنك) نام الغلام وأخته يفترشان الرخام البارد، ويلتحفان جوًا رخاميًا في برده وصلابته على جسميهما.
الطفل متكبكب في ثوبه كأنه جسم قُطّع وركمت أعضاؤه بعضها على بعض، وسجّيت بثوب ورمي الرأس من فوقها فمال على خده.
والفتاة كأنها من الهزال رسم مخطط لامرأة، بدأها المصور ثم أغفلها إذ لم تعجبه. كتب الفقر عليها للأعين ما يكتب الذبول على الزهرة: أنها صارت قشًا. . .
نائمة في صورة ميتة، أو كميتة في صورة نائمة؛ وقد انسكب ضوء القمر على وجهها وبقي وجه أخيها في الظل؛ كأن في السماء ملكًا وجه إليها المصباح وحدها إذ عرف أن الطفل ليس في وجهه علامة همّ، وأن في وجهها هي كل همها وهم أخيها.
من أجل أنها أنثى قد خلقت لتلد، خلق لها قلب يحمل الهموم ويلدها ويربيها.
من أجل أنها أعدت للأمومة، تتألم دائمًا في الحياة آلامًا فيها معنى انفجار الدم.
من أجل أنها هي التي تزيد الوجود، يزيد هذا الوجود دائمًا في أحزانها.
وإذا كانت بطبيعتها تقاسي الألم لا يطاق حين تلد فرحها، فكيف بها في الحزن. . .!
وكان رأس الطفل إلى صدر أخته وقد نام مطمئنًا إلى هذا الوجود النسويّ الذي لابد منه لكل طفل مثله مادام الطفل إذا خرج من بطن أمه خرج إلى الدنيا وإلى صدرها معًا.
ونامت هي ورأسها مرسلة على أخيها كيد الأم على طفلها. يا إلهي! نامت ويدها مستيقظة!
أهما طفلان؟ أم كلاهما تمثال للإنسانية التي شقيت بالسعداء فعوّضها الله من رحمته ألا تجد شقيًا مثلها إلا تضاعفت سعادتها به؟
تمثالان يصوران كيف يسري قلب أحد الحبيبين في الجسم الآخر فيجعل له وجودًا فوق الدنيا، لا تصل الدنيا إليه بفقرها وغناها، ولا سعادتها وشقائها، لأنه وجود الحب لا وجود العمر؛ وجود سحري ليس فيه معنى للكلمات فلا فرق بين المال والتراب، والأمير والصعلوك؛ إذ اللغة هناك إحساس الدم، وإذ المعنى ليس في أشياء المادة ولكن في أشياء الإرادة.