فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 4093 من 65521

للأستاذ محمد عبد الله عنان

من المبادئ الخالدة أن الفكر تراث الإنسانية، وأن ثمار التفكير البشري ملك حق لجميع الأمم والناس. وأن العلوم والآداب والفنون لا وطن لها ولا تعرف فوارق الجنس والقومية. وقد كانت هذه المبادئ وما زالت هي الغالبة في توجيه الفكر الإنساني؛ وإذا كان التفكير يتأثر في أحيان كثيرة بالعوامل والاعتبارات القومية فالمفروض دائمًا أن هذه المؤثرات لا تجني على المبادئ والحقائق الخالدة. فقد مجدت الحرية مثلًا في كل العصور، واعتبرت أعز أمنية للشعوب والأفراد وأجدرها بالتضحية، وقدست حرية الفكر واعتبرت دائمًا عنوان الكرامة البشرية؛ واعتبر الإخاء والمساواة منذ الثورة الفرنسية من أقدس المثل الإنسانية. ولكنا نرى اليوم هذه الحقائق تهدر في أمم عظيمة، فالحريات بأنواعها تسحق وتذم، وتعتبر العبودية نظاما، والخضوع الأعمى وطنية، والقومية المتعصبة تطغى على كل المبادئ والمثل الإنسانية؛ ونرى التفكير والآداب في هذه الأمم تنزل على وحي السياسة وإرادتها، وتغدو ألسنة مصفدة لتتأيد المبادئ والدعوات الجديدة.

وهذه ظاهرة خطيرة في عصرنا تستحق الدرس العميق. فمنذ الثورة الفرنسية لم يشهد العالم المتمدن انقلابًا في النظم الاجتماعية والفكرية كالذي نشهده اليوم كأثر للانقلابات السياسة التي وقعت منذ نهاية الحرب في كثير من الأمم الأوربية. وقد كانت الحرب الكبرى ذاتها وما ترتب عليها من النتائج السياسية والعسكرية أكبر عامل في التمهيد لهذه الانقلابات، فقد هزت الحرب دعائم المجتمع كله، وقوضت كثيرًا من نظمه وآرائه ومعتقداته القديمة، وعصفت ويلاتها وأزماتها المتوالية بالنفوس والعزائم، وبعثت اليأس والاستكانة إلى كثير من المجتمعات، وظهر أثر ذلك كله واضحًا في آداب ما بعد الحرب. ونلاحظ في هذه الفترة أن النزعات الحرة والثورية تغلب على معظم ألوان التفكير والأدب، وأنها تتجه غالبًا إلى الثورة على المبادئ والآراء القديمة، سواء في النظم السياسية أو الاجتماعية، أو تقدير الفضائل والأخلاق. على أن هذه الآثار العامة ليست كل شيء في هذا الانقلاب الفكري العميق الذي نريد أن نتحدث عنه. وإنما يمتاز الانقلاب بآثاره المحلية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت