للأستاذ فخري أبو السعود
كانت الثقافة اليونانية خلاصة ثقافات البحر الأبيض القديمة: لأنها إلى جانب ما استوعبته من الحضارات الشرقية تمثل نتاج العقل اليوناني الذي كان أخصب عقل ظهر في العصر القديم. فلما مضى ذلك العصر
ودالت دولة اليونان وكان العصر الوسيط كان العرب هم السابقين إلى التعرف بالثقافة اليونانية فأخذوا من علوم اليونان وفلسفتهم، ثم تعرف الأوربيون بعدهم بتلك الثقافة في عهد النهضة، وأوسعوا علوم اليونان وفنونهم دراسة ونقلا ومحاكاة. فأغنوا بذلك علومهم وفنونهم الناشئة وشادوا على ثقافة اليونان صرح حضارتهم الحديثة.
بيد أن الذي يسترعي النظر أن العرب حين اتصلوا بثقافة اليونان اقتصروا على اقتباس بعض علومهم وفلسفتهم دون الآداب والفنون، فدرسوا أر سطو وأفلاطون، وعرفوا أبقراط وفيثاغورس، ولكنهم أهملوا هوميروس وسوفوكليس وأوربيدس، على حين لم يفرق الأوربيون بين ناحية من نواحي الحضارة اليونانية وناحية أخرى، بل أكبو على دراسة الجميع، وبينما تقدمت علومهم على مر العصور عن علوم اليونان أشواطًا بعيدة واستغنت عن معينها ظلت الآداب والفنون اليونانية مرجعًا دائمًا للآداب والفنون الأوربية ومهبط وحي لا يفنى، ولم ينفك كتاب الغرب وشعراؤه إلى اليوم عن تمجيد الثقافة اليونانية والحث على الرجوع إليها دائمًا، فما السر في اختلاف موقف العرب عن موقف الأوربيين حيال تراث اليونان؟
السر راجع إلى سليقة العرب المطبوعة على البيان، المفطورة على فصاحة اللسان، فان العرب نظرًا لبيئتهم البدوية وحياتهم المتنقلة لم يكن لهم سوى السان أداة للتعبير عن شعورهم الفياض، فلم يكن التصوير ولا النحت ولا غيرها من الفنون ليزكو في بيئتهم تلك، ومن ثم تأصلت في العرب سجية البلاغة وارتقت بينهم مرتبة البلغاء وتوطدت لغتهم ونضج أدبهم وهم على بداوتهم وقلة حظهم من الحضارة، وكان لهم بعصبيتهم ولغتهم اعتداد شديد، فلما نهضت دولتهم بظهور الإسلام ودخلت الأمم في طاعتهم ودينهم أفواجًا ازدادوا اعتدادًا بعربيتهم ولغتهم وشعرهم وقرآنهم المبين، فلم يكن في نفوسهم حافظ إلى