عصفورة الوادي
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
// لقد رقد السُّمارُ حتى خلا النادي ... ولم تبق يقظى غير عصفورة الوادي
شدت في هدوء الليل تندب غائبًا ... وفي شدوها شجو لسامعه باد
تردده في خير لحنٍ سمعتُه ... وتنشده شعرًا على خير إنشاد
فيا حسن شعرٍ مطربٍ معًا ... ويا حسن لحنٍ ثم ي حسن ترداد
فبِتُّ وعيني لحظُها يخرق الدجى ... وسمعي على بعدٍ إلى الطائر الشادي
قد انتبهت في ليلها فتذكَّرت ... أليفًا غدًا عنها ولم يَعُد الغادي
وبرَّحت الذكرى بها فترنَّمت ... ترنُّمَ ثكلى قد أصيبت بأولاد
وقالت تناجي نفسها ما لصاحبي ... تأخر عن ميعاده غير معتاد
وقد كان وجهُ الليل ميعادَ عوده ... وذلك للأطيار آخر ميعاد
فما عاد عصفوري إليَّ لشقوتي ... وكان إليه في حياتيَ إخلادي
أأبعد عن مثواه في طيرانه ... فضلَّ طريقَ العود من بعد إبعاد
وكيف تضلّ الطيرُ عن مستقرّهَا ... وكل كثيبٍ في الطريق لها هاد
أم احتازه الصيَّادُ في شَرَكٍ له ... أم اختطفه برثنُ الأجدل العادي
أم التقفته هِرَّةُ البَرّ بغتة ... أم ابتلعته حيةٌ بعد أرصاد
لقد كانم لي إغرادة خير سلوةٍ ... كما كان يُسليه عَن الهمّ إغرادي
وكنا إذا طرنا معا لرياضة ... نُخلِقُ في جوِّ من الصبح ورَّاد
وبعدئذٍ نهوِي معا في هوادة ... إلى فَنَنٍ غَض من البان ميَّاد
وكنا على الأيام زوجين في رضىً ... فأفردني دهري وأوحش إفرادي
بقيتُ لأرزاء الزمان وحيدة ... بعشٍّ نضيدٍ من هشيم وأعواد
وكنا بنيناه معا فوق أيكةٍ ... تُظلّ على ماءٍ وعشبٍ وأوراد
بنيناه حتى تَمَّ نجهد نفسَنا ... لنحيا معا في غبطةٍ ثم إرغاد
يقيم بقربي ثم في العشّ واضعا ... إذا ما غفا ألغَادَه فوقَ ألغادي