بقلم مهدي الجم الطرابلسي
ما أنا أول الذين يتحدثون إليك عن فولتير ولا آخرهم. بل أنا من هؤلاء الذين تلح على عواطفهم إشعاعات من أرواح العظماء فتبعثهم حينا راضين وآخر كارهين لينشروا ماضي هؤلاء العظماء ويتغنون بعبقريتهم ويسجلونهم في سجل الأفذاذ الخالدين.
أطل فولتير على الحياة سنة أربع وتسعين وستمائة وألف فشب ورأى من حوله فساد الحكومة والبيئة فعظم عند نفسه أن يرى أفراد الشعب يتضورون جوعًا والملك والحاكم ينزلون بهم أنواع العذاب عاتين جائرين. وكان كاتبًا رائع الكتابة رائق الأسلوب قوي العارضة سيال القريحة سياسي المبدأ لاذع النقد. وكانت الصحف التي تنشر رسائله رائجة نافقه اكثر من غيرها، لان الشعب كان يُقبل على كل رسالة له أو كتاب فيطالعه، فتنشيه نغمة العبارات ولحن الأسلوب فيعيد مطالعته، فيؤثر في نفسه، فيهيج هياجًا شديدًا، لأنه ضد الحكومة. وقد كان الشعب الباريسي يضمر لفولتير حبًا شديدًا حتى أضحت كلمته فوق كل كلمة، وأسمه فوق كل اسم، وحتى أضحى رسمه زينة، تحلى بها الأكاليل والمتاحف، وحتى أضحى الشعب يمحص كل كلمه من كلماته تمحيصًا ويعربها ويردها إلى اصلها مستمتعًا مغتبطًا بذلك.
وهكذا استأثر فولتير بقلوب أبناء وطنه وجعل من نفسه قائدًا محبوبًا يشير فيطاع. والشعب لم يقبل على فولتير ومؤلفات فولتير ولم يهتف له إلا لنقده الملك والملكة والبلاط وما فيه، النقد اللاذع الذي دعا الملك أن ينفيه من اجله.
كانت الكونت لدلنفيليه قد تكهن أن فولتير صديقه سيموت في الثلاثين من عمره، لكن فولتير الجبار لم يكن ممن يتأثرون بتنبؤات الكهنة والمنجمين، فأستمر لا يحيد عن سمته في النقد والفلسفة، ولما جاوز الثلاثين كان يداعب صديقه الكونت قائلًا: (لقد خدعتك أيها الصديق بثلاثين عامًا وخدعت نفسي بالباقي)
وأخيرًا لم يرى الملك بدًا من إخراجه عن فرنسا. وهكذا قضى فولتير حياته شريدًا طريدًا يتنقل من بروسيا إلى إنكلترا إلى غيرهما.
وقد قضى اكثر أيامه على ضفاف بحيرة جنيف في (فرني) وغيرهما حيث سالت نفسه