للأستاذ أحمد أمين
اشتد الحر وشغل الناس بالتفكير فيه، وبطرق التغلب عليه، وبالتأفف منه، فهذا يدبر المال للإقامة في مصيف فيوفق ويرحل، وهذا لا يواتيه المال فيقيم على مضض، وهذا نزاع عائلي بين ميزة الاصطياف في أوربا والاصطياف في الإسكندرية، وهذا غني أفلس يأتي عليه الحر فيذكره بأيام هنية قضاها في أجود المصايف وأنزه الأماكن، فتجتمع عليه لذعة الحر ولذعة الذكرى - وهذا بائع المرطبات والمبردات يسأل الله أن يزيد في الحر حتى يكثر بيعه، ويزيد ربحه؛ وهذا يرقب درجة الحرارة من حين لآخر ليعلم أتحسن الجو أم ساء، وهو يتبع المقياس في رضاه وسخطه، وهذا يقرأ نشرات مصلحة الطبيعيات ليقارن بين القاهرة والإسكندرية، والقاهرة وبور سعيد، فإن كان في الإسكندرية رثى لمن في القاهرة، وإن كان في القاهرة حسد من كان في الإسكندرية؛ وإن كان في أسيوط عزى نفسه بقلة الرطوبة وجفاف الهواء؛ ومن كان في مصر كلها حمد الله على أنه ليس في أمريكا حيث يختنق الناس - وهذه شغلها التفكير في المقارنة بين حمام ستانلي وسيدي بشر: أيهما أكثر ناسًا، وأنظف مرتادًا، وأحسن للعرض وأمتع للنفس. وهذا يرتقب غروب الشمس التي تكويه بنارها، ليخرج إلى الجزر والأنهار والمقاهي المفتوحة والملاهي في الجو الطلق، فينتقم في ليله من نهاره - وهذا وهذا وهذه وتلك مما لا يعدو ولا يستقصى؛ ولكن لابد من ناحية أخرى أُنسيتُها، فهاذ كاتب وشاعر شغله الحر من ناحية أخرى فهو يريد تشبيهًا جميلًا للحر أو تعبيرًا بليغا، فيقول: هذا الجو أحرّ من الرمضاء، وأحرّ من دمع الصب، وأحر من قلب العاشق، ومن فؤاد الثاكل؛ ثم لا تعجبه هذه كلها فيريد تشبيهًا مخترعًا، أو عبارة مبتكرة، أو استعارة بديعة، فيسبح في الخيال، وينسى الحر، وهي حيلة لطيفة للتخلص منه!!
أما أنا فقد ضايقني الحر، وحرت بين مصر والاسكندرية، تؤلمني الأولى بحرها القاسي، وتؤلمني الثانية برطوبتها الثقيلة، ووددت أن لو كان لي من المال ما يمكنني من أن أطير صباحًا فأقضي النهار في الإسكندرية، وأطير مساء فأقضي الليل في القاهرة وأخيرًا رأيت أن أهرب من الحر حينًا بالتفكير في الكتابة فيه، وقلت إنها فرصة جميلة أن أكتب في