7 -الدوق دي لاروشفو - كو
للدكتور حسن صادق
إننا نعجب باحتقار حطام الدنيا والزهد فيها، ونعد ذلك فضيلة، ولكن لاروشفوكو يقول عنها: (احتقار الثروة كان عند الفلاسفة رغبة مستترة في الانتقام لجداراتهم من الحظ، باحتقار النعم التي حرمهم منها، يدفعون به عن أنفسهم ذل الفقر، كان سبيلًا ملتوية يسلكونها لاكتساب الاعتبار الذي حرمتهم منه رقة العيش) (موعظة رقم 54) . ومعنى قوله إن بعض الناس يزهدون في الثروة انتقامًا لجداراتهم من الحظ، وهذا كبرياء. وبعضهم يتخذون هذا الزهد سلاحًا يدفعون به أنفسهم ذل الفقر، وهذا خداع. وبعضهم يتخذونه مجازًا إلى الاعتبار، وهذا طموح؛ أي أن لاروشفوكو يجعل مصدر هذه العاطفة الراقية الكبرياء والخداع والطموح.
الاعتدال فضيلة جميلة، ولكن لاروشفوكو يقول عنها: (الاعتدال هو خوف الوقوع في جحيم الحسد واتقاء الازدراء الذي يستحقه من تثمله السعادة، انه تفاخر جديب بقوة العقل، وعلى الجملة اعتدال الناس في أرقى درجات علوهم هو الرغبة في الظهور اكبر من حقيقة مركزهم وثروتهم) (موعظة رقم 18) (الاعتدال لا يستطيع أن يتطلع إلى مناجزة الطموح واخضاعه، لأنهما لا يجتمعان مطلقًا. هو فتور النفس وكسلها، كما أن الطموح نشاطها وتوقدها) (موعظة رقم 293) . (عد الاعتدال فضيلة ليخفف من غلواء الطموح الذي يتملك العظماء، وليتعزى به صغار الناس عن ضآلة ثروتهم وجدارتهم) (موعظة رقم 308) . فالخوف والغرور والكبرياء والكسل هي جوهرة فضيلة الاعتدال. وهذه الفكرة برهان آخر على أن لاروشفوكو استخلص مواعظه من عصره، لأنها تنطبق على خلق مازاران. كان هذا الوزير يتكلف البشر إذا اختلت مصالحه ليظهر للناس أن المحن لا تروعه، ويتصنع الرزانة إذا كلل النجاح أعماله، ليظهر أن الرفاهية لا تستخفه طربًا. ولكن اعتداله الكاذب لم يخف على أحد معاصريه. أما (فوكيون) الإغريقي - مثلًا - فقد اشتهر بالاعتدال النقي وشهد له به أهل أثينا وأيدت حياته شهادتهم. ولما حكم عليه بشرب السم قال لابنه والكأس في يده: (آمرك وأرجو منك إلا تحمل للاثنين في صدرك غلا أو ضغينة من اجل موتى)