للأستاذ محمد فريد أبو حديد
كنت أعرف رجلًا طيب القلب بلغت منه طيبه القلب مبلغًا عظيمًا. فكان يحب الخير ولا يميل إلى الأذى ويعف عما في أيدي الناس، ويعطيهم مما في يديه أكثر مما كان ينبغي له، حتى أنه كان يحب أحيانًا أن يولم لبعض أصدقائه وليمة فلا يجد ما يولم لهم به من المال في كفه، فيدفعه حرصه على إرضائهم إلى يؤذي نفسه في سبيل ذلك الرضا، فقد استدان مرة بضعة جنيهات من صديق له وأولم في اليوم التالي لبعض أصدقائه وليمة لذيذة، وأبى عليه كرمه أن يهمل صديقه الذي استدان منه فدعاه إلى الحضور، وكانت فكاهة الأصدقاء بنبأ الوليمة والدين الذي ركب صاحبها من ورائها سببًا في شحذ شهوة الطعام في الجمع حتى لم يبقوا على شئ من ذلك الطعام اللذيذ
غير أن هذا الرجل الطيب كان به عيب واحد لا أعرف فيه عيبًا سواه، وهو أنه كان يعنى عناية عظيمة برأي الناس فيه، فلا يكاد يسمع من أحد مدحًا في نفسه حتى يثور طربه، ويهتز للمديح اهتزاز الغصن الرطب في الريح، وقد تدفعه الأريحية عند ذلك إلى الخروج عن طاقته في جزاء المادح؛ وأما إذا هو سمع أحدًا يذمه ولو ذمًا ضئيلًا، فإنه لا يتمالك نفسه من الغضب، وقد تكون غضباته مضرية هائجة، ولولا إنه من الثابتين المطمئنين إلى حكم القانون، لكان لا يرى شيئًا يغسل عنه معرفة معرة الذم، إلا أن يراق في سبيلها الدم. وقد عرفت أنه سمع أن بعض الناس يقعون فيه ويذمونه بأنه يأكل في بيته الثريد بأصابعه الخمس، وأنه ما يكاد يصل إلى بيته حتى ثيابه المحترمة، ويلبس لباسًا ساذجًا مما يلبسه عامة الناس من طبقة الفقراء، فيضع على رأسه لبدة بيضاء من الصوف الخشن، ويلبس في رجله قبقابًا من الخشب الثقيل، ويلبس على جسمه جلبابًا من القطن الرخيص، فما كاد يسمع ذلك القول حتى ثارت ثائرته، وجعل يصيح في الحاضرين بأعلى صوته واصفًا ما يلبس وما يأكل، مجتهدًا أن يطلع الناس على حاله في بيته، وعلى ما هو عليه من تمتع بأقصى ما يتمتع به المتحضرون المتأنقون؛ ولعله قد لاحظ شيئًا من التردد بين سامعيه في تصديق أقواله، فجعل يزيد في التأكيد حتى بلغ الأمر منه أن جعل يقسم لهم جهد الأيمان، ولما أحس مع كل ذلك أن السامعين فيهم المعاند والمكابر، اتخذ خطه عمليه حازمه لبيان