للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
تتمة
.. . وجاء من الغد أبو يحيى مالُ بنُ دينار الى المسجد، فصلى بالناس، ثم تحول الى مجلس درسه وتعكفوا حوله؛ وكانوا الى بقية خَبَره في لهفةٍ كأن لها عُمرًا طويلًا في قلوبهم، لا ظَمَأ ليلةٍ واحدة
وقال منهم قائل: أيها الشيخ، جُعِلْتُ فِداك، ما كان تأويلُ الحَسَنِ لتل الآية من كلام الله تعالى، وكيف رجَعَ الكلام في نفس مًرْجِعَ الفكر تتبعُه، وأصبح الفكر عندك عملًا تحذو عليه، واتصل هذا العملُ فكان ما أنت في وَرَعك ,. . . .؟
فقطع الامام عليه وقال: هَوِّنْ علي يا هذا؛ إن شيخك لأهوَنُ من أن تذهب في وصفه يمينًا أو شِمالًا، وقد روي لنا الحَسَن يومًا ذلك الخبرَ الوارد فيمن يُعذِّب في النار ألف عم من أعوام القيامة، ثم يدركه عفوُ الله فيخرج منها، فبكى الحسن وقال: (يا ليتني كنت ذلك الرجل!) وهو الحسنُ يا بني، هو الحس
فضج الناس وصاح منهم صائحون: يا أبا يحيى، قتلتنا بأسًا. وقال الأول. إذا كان هذا فأوشك أن يعمنا اليأس وقنوط، فلا ينفعنا عملٌ ول تأتي عملًا ينفع
قال الشيخ: هونوا عليكم، فان للمؤمن ظنَّين: ظنًا بنفسه، وظنًا بربه؛ فأما ظنه بالنفس فينبغي أن ينزلَ بها دون جَمحَاتها ولا يفتأ ينزل؛ فاذا رأى لنفسه أنها لم تعمل شيئًا وجب عليها أن تعمل، فلا يزال دائمًا يدفعها، وكلما أكثرتْ من الخير قال لها: أكْثِرِي. كلما أقلتْ من الشر قال لها: أقلي. ولا يزال هذا دأبُهُ ما بقي؛ وأما الظن بالله فينبغي أن يعلوَ به فوق الفَتَرات والعِلل والآثام ولا يزال يعلو؛ فان الله عند ظن عبده به، إنْ خيرًا فله وإنْ شرا فله. ولقد روينا هذا الخبر: (كان فيمن كان قبلكم رجلٌ تسعًا وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب فاتاه، فقال: إنه تسعًا وتسعين نفسًا، فهل من توبة؟ قال: لا! فقَتَله فكمل بن مائة! ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال له: إنه قتل مائة نفس، فهل له توبة؟ قال: نعم؛ ومَن يحول بينك وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فان بها أُناسًا يعبدون الله عز وجل، فاعبد الله معهم ولا ترجعْ الى أرضك، فانها