فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 8795 من 65521

للأستاذ عبد الله كنون الحسني

كثر الشعر الوطني عند العرب في العصر الحديث كثرة عظيمة حتى طغى على غيره من الأغراض الشعرية، فأصبح لا يكاثره غرض آخر منها. وما ذلك إلا لأن البلاد العربية كلها قد مزق الاستعمار شملها، فأصبح أهلها خاضعين للنير الأجنبي يتشوقون ليوم الحرية تشوق الظمآن للماء البارد؛ فهم تارة يتغنون بالنصر الباهر الذي يكسبونه في موقعة ذلك اليوم، وتارة يستعرضون مواقف المجد والبطولة في تاريخهم الأدبي والحربي، فيثيرون بذلك شعور مواطنيهم للسعي إلى تقريب أمد ذلك اليوم الذي تشرق شمس الحرية فيه على ربوعهم فيعود إليها ما فقدته من العز والعظمة، وتارة ينعون على قومهم تخاذلهم وقعودهم عن حرب العدو المغير على أوطانهم، لافتين أنظارهم إلى ما يسومونهم من الخسف والعذاب، وما يبتزونه من أموالهم وخيرات بلادهم

وأخيرًا، وعلى هذا المنوال، تكوَّن الشعر الوطني في العربية، وأصبح في المقام الأول من أغراضه الشعرية، فخلف بذلك المديح الذي كان يحتل هذا المقام من قبل

ونحن إذا رجعنا إلى ما قبل العصر الحديث من العصور المختلفة وقلبنا تطورات الشعر العربي في تلك العصور، لم نجد للشعر الوطني ذكرًا ولا أثرًا بين أقسام الشعر، ولم نعثر على ما يفيد أن هذه الظاهرة التي غلبت على الشعر العربي اليوم أمكنها في عصر من العصور أو طور من الأطوار أن تظهر، بَلْه أن تغلب على شعر شاعر من العرب أو من غير العرب فيمن نظم بالعربية، فتجرف غيرها من الظواهر وتكون هي المسيطرة على كثرة أشعار الشعراء كما هو الحال اليوم. ولذلك لما قال أبن الرومي أبياته المشهورة في هذا المعنى كانت عنقاءَ مُغرِب الشعر الوطني، فتداولتها الألسنة وأصبحت مثلًا يُضرب في طبيعة حب الناس لأوطانهم، وتلك الأبيات هي:

ولي وطن آليت ألا أبيعه ... وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا

وحبب أوطانَ الرجال إليهمُ ... مآرب قضَّاها الشباب هنالكا

إذا ذكروا أوطانهم ذكَّرتهمُ ... عهود الصبا فيها، فجنوا لذالكا

ولا نعني بالشعر الوطني ما كان من قبيل العواطف المجردة عن المعاني المذكورة كهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت