للأستاذ عبد العال الصعيدي
منزلته في الشعر:
قد يكفى أبا العتاهية عندنا توجيهه الشعر هذه الوجهة الصالحة، وذهابه به في الحياة نحو تربية الشعوب وهدايتها، وإنارة السبيل أمامها، وتقويم عوجها؛ وهذا أبو نواس وهو من أعلام الشعر في عصره يشهد له بهذا الفضل، ويفضله به على نفسه. حدث هرون بن سعدان قال: كنت جالسًا مع أبي نواس في بعض طرق بغداد، وجعل الناس يمرون به وهو ممدود الرجل، بين بني هاشم وفتيانهم، والقواد وأبنائهم، ووجوه أهل بغداد، فكل يسلم عليه فلا يقوم إلى أحد منهم، ولا يقبض رجله إليه، إذ قيل شيخ راكبًا على حمار مريسى، وعليه ثوبان ديبقيان، قميص ورداء قد تقنع ورده على أذنيه، فوثب إليه أبو نواس، وأمسك الشيخ عليه حماره واعتنقا، وجعل أبو نواس يحادثه وهو قائم على رجليه، فمكثا بذلك مليًا، حتى رأيت أبا نواس يرفع إحدى رجليه ويضعها على الأخرى، مستريحًا من الأعياء، ثم انصرف الشيخ وأقبل أبو نواس، فجلس في مكانه، فقال له بعض من بالحضرة: من هذا الشيخ الذي رأيتك تعظمه هذا الإعظام، وتجله هذا الإجلال؟ فقال: هذا إسماعيل بن القاسك أبو العتاهية. فقال له السائل: لم أجللته هذا الإجلال؟ وساعة منك عند الناس أكثر منه. قال: ويحك لا تفعل، فوالله ما رأيته قط إلا توهمت أنه سماوي وأنا أرضي.
وقد يكفى أبا العتاهية أيضًا أنه هو الشاعر الشعبي الذي أمكنه أن يدنو بالشعر العربي إلى إفهام العامة، فوردوا مناهله العذبة بعد أن حرموا منها زمنًا طويلًا بنزول لغتهم عن لغته، وانصراف الشعراء عنهم كأنهم عجماوات لا حظ لها من علم وأدب، وهذا كله مع احتفاظه للشعر بما يتطلبه منه الخاصة أيضًا، فأرضى بشعره الفريقين، ولم ينزل به عن مرتبة فحول الشعر في عصره وقبل عصره، وقد قلنا إنه يقصد إلى ذلك قصدًا، ويثور به على الطريقة القديمة عامدًا، وسقنا من قصته في ذلك مع سلم الخاسر ما يؤيده، وهذه هي قصته معه كاملة:
قال أبو الفرج: حدثني على بن مهدي، قال: حدثني أحمد بن عيسى. قال حدثني الجماز. قال: قال سلم الخاسر: صار إلى أبو العتاهية، فقال: جئتك زائرًا، فقلت: مقبول منك