العبرية اللاتينية منه إلى قراء العربية. وعلى الجملة فاليهود الذين تتلمذوا على العالم العربي، وانتشروا في كبار العواصم الأوربية يعدون بحق عقدة الاتصال بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة المسيحية
لم يكن ابن ميمون بالناقل أو المترجم؛ بيد أن كتابه (دلالة الحائرين) كان من أول ما ترجم إلى اللاتينية في الدائرة الفلسفية والعلوم الدينية. ليس في مقدورنا أن نحدد بالدقة تاريخ ولا صاحب أول ترجمة لاتينية لهذا الكتاب؛ وكل ما يمكن تعيينه أن هذه الترجمة سابقة لمنتصف القرن الثالث عشر الميلادي: ذلك لأن و ; يرددان كثيرًا اسم موسى بن ميمون؛ كما أن , و ;
يشيران إلى (دلالة الحائرين) كمصدر أخذا عنه واعتمدا عليه. لم يكد هذا الكتاب يترجم إلى اللاتينية حتى أكب على دراسته كبار فلاسفة القرن الثالث عشر الذين ذكرنا بعض أسمائهم. فأفادوا منه كثيرًا؛ وكان عمدتهم في تعرف النظريات الإسلامية الهامة. ونستطيع أن نقول إن (دلالة الحائرين) أول وأشمل مؤلف درس فيه اللاتينيون الفلسفة العربية، وأنه قد عمل على نشر هذه الفلسفة بدرجة لا يعادله فيها كتاب آخر. نحن لا ننكر أن بعض مؤلفات الفارابي وابن سينا وحظًا وافرًا من مؤلفات ابن رشد قد ترجم إلى اللاتينية، غير أن (دلالة الحائرين) كان أسبق من هذه المترجمات وأعظم شيوعًا. فأما الفارابي فما كان يعرفه إلا آحاد من فلاسفة الغرب، وإذا استثنينا لا نكاد نجد مؤلفًا قد أشار إلى اسمه في كتاب من كتبه. وأما ابن سينا فبرغم نفوذه العظيم لدى طائفة من علماء القرن الثالث عشر لم يكن بالمقرب إليهم قرب ابن ميمون؛ ولعل للفوارق الدينية أثرًا في هذه الظاهرة. وأما ابن رشد فقد كانت خرافة إلحاده التي سادت أوربا في القرون الوسطى، والتي درسها (رينان) دراسة مفصلة سببًا في أن ينظر إليه بنظرة خاصة. على العكس من هؤلاء جميعا قد استطاع ابن ميمون بفصل كتابه (دلالة الحائرين) أن يمكن من نفوذ الفلسفة الإسلامية في المدارس الغربية عن طريق غير مباشر لا يشك فيه ولا يخشى خطره
ويجب أن نضيف إلى ما تقدم أن نقد هذا الحبر لبعض نظريات المتكلمين قد حببه، فيما يظهر، إلى الفلاسفة المسيحيين. فهو ينقض نظرية الجوهر الفرد ونظرية تعريف الله ونظرية الصفات الألهية بشكل يقربه من أرسطو بقدر ما يبعده عن علماء التوحيد