6 -تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا
للأستاذ خليل هنداوي
لهنري هاين صفحة قيمة يقارن فيها بين مذاهب هؤلاء الثلاثة، ويذكر ما لهم من تأثير في الحركة الفكرية، وكأنه يجد أن الرسالات التي بشروا بها لم تكن تنطق إلا عن رسالة واحدة هي رسالة الكمال والمثل الأعلى. يقول:
(لا نجد - عند كانت - إلا كتابًا مسطورًا. أما عند - فيخت - فنحن نتجرد من الكتاب ونرى أنفسنا إزاء رجل جبار قد اتحدت إرادته وفكرته حتى صارتا قطعة واحدة، كنت أقارن بين نابوليون وفيخت، وهما متفقان مزاجًا، وظهورهما في قومهما متشابه من جميع الوجوه، كلاهما يمثل سلطته(الذاتية) حيث لا نرى الفكرة إلا مقرونة بالعمل. ولكن هذه المبالغة في الإرادة والاعتماد على الذات جعلت عملها سريع الانهيار، فمذهب - فيخت - العملي يشبه إمبراطورية ذلك العظيم، تلك الإمبراطورية التي لم تكد تظهر حتى تصدى لها الزوال فأصبحت كأن لم تغنَ بالأمس. ولكن ثورة (نابليون) لا تزال تسري في عروق أوربا، وهكذا كان شأن فلسفة (فيخت) فإن مذهبه قد انهار. ولكن النفوس والأفكار لا تزال - من بعده - مضطربة حائرة
جاء (مذهبه في المثل الأعلى) خطيئة كبيرة في مجموع فلسفته. ترى في كل جزء من أجزائها استقلالًا سائدًا وإرادة واسعة وحرية بعيدة، وتحس بشيء يسيطر على عقول الفتيان.
ومذهب (فيخت) في (الذاتية) كان يلائم خلقه الحديدي، ومثل هذا المذهب القوي لا يلائم غير صاحب هذا الخلق الجبار. ولا ننسى نصيب (شيلنج) فقد كان علمًا من أعلام الفلسفة الألمانية. نظر إلى الطبيعة نظرة سلم وأحب أن يعلن الهدنة بينها وبين النفس، وأراد أن يجمع بينهما، فأحيا الفلسفة القديمة التي جاء بها اليونان الأقدمون قبل سقراط. ولكنه استسلم كثيرًا لسلطان الخيال، ولم يخاطب العقل كثيرًا فتضعضعت فلسفته تحت مطرقة العقل، فجاء (هيجل) وتبوأ مقعد الفلسفة، فاعتزل (شيلنج) ونزل في (مونيخ) وهناك رأيته يعيش هائمًا كالشبح، بعينين غشيتهما صفرة، ووجه ذليل كأنه صورة شقية لمدينة خربة مهجورة)