عينية أبن سينا أو قصة الروح
للأستاذ زكي نجيب محمود
ادْنُ مني يا صديقي واستمع إلى هذه القصة الممتعة الرائعة التي يرويها ابن سينا عن الروح. وما أدراك ما الروح؟ هذا السر العجيب الذي سري واستكن بين أحنائك فلا تكاد تدري من أمره شيئًا! وهل يداخلك شيء من الريب في أنك مزيج من مادة وروح؟ فأما المادة فهي هذا اللحم والعظم، وأما الروح فهي تلك الفكر الرائع والخيال البارع وتلك الحركة المتوثبة الدافعة، حتى إذا جاءك يومًا قضاؤك المحتوم، انطلق كل من العنصرين إلى سبيله! فأنى لك هذا السر المكنون، وأيان يذهب بعد الموت؟ ذلك ما يرويه ابن سينا في قصيدته وما أنا محدثك به الآن - قال ابن سينا:
هَبَطَت إليك من المحلِّ الأرفع ... ورقاءُ ذاتُ تَعَزَّزٍ وتمَنُّع
فقد كانت تعيش الروح أول أمرها مطلقة مجردة في الرقيق الأعلى، ثم كتب عليها أن تهبط إلى هذا الدرك الوضيع؛ ولقد آثر فيلسوفنا الشاعر لفظ الهبوط على السقوط لأنها في رأيه لم تسقط إلى هذا الحضيض من علٍ كما يسقط الحجر الجماد سقوطًا لا شعور فيه، أو كمن ينتكس من أوج الجبل إلى سفحه انتكاسًا يقربه من الجماد المرغم على السير في طريق بعينها لا يملك لنفسه شيئًا، إنما هبطت إليك الروح؛ وفي لفظ الهبوط معنى الشعور والإدراك، من محلها الأرفع، حيث تسبح العقول المجردة روحانية خالصةً لا تشوبها شائبة من مادة. . . ولكني عهدتك يا صديقي عنيدًا ملحاحًا لا ترضى بالقول يرسل إرسالًا، بل تقتضي محدثك الأمثلة يضربها توضيحًا لما يريد. وكأني بك تسائلني أو تسائل الشاعر: وكيف كان ذلك الهبوط؟ فهو يجيب: إن شئت للروح في هبوطها مثلًا مما تعلم من ألوان الحركة، فهي أشبه بالطير سابحةً في أجواز الفضاء، محومةً صاعدة هابطة، وماذا ترى بين الأشياء التي تتحرك بالإرادة أشد شبهًا بالروح من الطير في خفته ولطف جوهره، وفي هبوطه وصعوده؟ لعمري لقد وفق فيلسوفنا، بل لقد وفق أصحاب الفن منذ أقد العصور في تصويرهم للملائكة أو ما يتصل بالملائكة من كائنات روحانية بالجسوم المجنحة إدراكًا منهم بهذه الرابطة القوية الصادقة بين خفة الأرواح ولطفها، وبين رشاقة