من الادب التركي
باقة زهر
بقلم الآنسة (فتاة الفرات)
إن لبعض المناظر تأثيرًا عميقًا خاصًا في نفس الإنسان لا يشاركه فيه غيره من المناظر، لو أنني شهدتها في زمان غير هذا الزمان، أو في مكان غير هذا المكان
لقد سحقتني المدينة بجلبتها وضوضائها، ففررت بفكري المجهود وعقلي المكدود إلى قرية قائمة في وسط صحراء هادئة نائمة لأداوي بسكوتها فكري الثائر. وكنت في كل يوم ألقي بنفسي في أطهر ضواحي القرية من أنفاس الناس، فأستنشق فيها رائحة الطبيعة الجميلة تحت أشعة شمس الربيع التي كانت تسيل بغزلرة من بين قطع السحاب، فتحرك النفوس الجامدة ونثير القلوب الخامدة
كان يمر بتلك القرية نهير براق ينصب فيه الماء من بين أحضان تلك الجبال الشماء، فاذا انحدر منها إلى السهول بصوت جذاب يشبه الصوت الذي ينبعث من مجلس مجالس السرور جرى متغلغلًا بين الأحراج والغابات، متواريًا عن أشعة الشمس التي ملأت الأرجاء وطغت على الأنحاء، فاترًا هادئًا حابسًا أنفاسه في صدره، كأنه فتاة عاشقة تسير نحو غايتها في لطف حتى لا يسمح خشخشة ثوبها سامع، ثم يجتمع شيئًا فشيئًا ويزج بنفسه في مقبرة تظللها أشجار السرو العاتية، وتنبعث منها روائح الموت القاسية، فتبعث في النفس ذكرى الدار الآخرة، وتوقظ في القلب عظمة الموت ورهبته، فاذا تجاوز هذه المقبرة سار في جريان بطيء فاتر مدفوعًا بقوة لا يمكن مقاومتها ولا يستطاع دفعها، مبتعدًا عن الجبال والأحراج والصحارى حتى يغرق بحرقة الخسران وألم الفقدان في بحر لجيٍ لا يسبر غوره ولا يدرك قراره
وكثيرًا ما كنت أتبع في سياحتي مجرى ذلك النهير، فأسير على ضفته مأخوذ اللب، موزع الفكر في أمواجه الضحاكة التي تنيرها أشعة الشمس اللماعة، وضفاته الحزينة التي تظللها الأشجار الملتفة، فتنشر عليها بساطًا من الكدر والحزن، وكم حبست سمعي على زمزمة